ابنة جاك بريل تروي في وثائقي رحلته “المضطربة جدا” في مركب شراعي عام 1974

بروكسل، “أ ف ب”: في العام 1974، غادر المغنّي جاك بريل بلده الأم بلجيكا في جولة بالمركب الشراعي حول العالم، وكان يفترض أن تكون هذه الرحلة على الورق مغامرة فريدة، لكن سرعان ما عكّرها اضطراره للعودة مرارا إلى أوروبا بسبب “اضطرابات عميقة” في حياته، بينها مرضه.
قصة هذه الرحلة ترويها في فيلم وثائقي ابنته فرانس التي رافقته على متن القارب في رحلة عبور المحيط الأطلسي.
وفيلمها هذا الذي يحمل عنوان “كرونيك دون في” (“تاريخ حياة”) لن يُعرض في دور السينما ولا عبر الإنترنت، لكنّ مشاهدته ستكون متاحة بموجب حجز في مؤسسة جاك بريل في بروكسل اعتبارا من الأسبوع المقبل.
وأوضحت فرانس بريل التي تدير هذه المؤسسة وما تحويه من “كيلومترات الأرشيف” أن الهدف من الشريط “تأريخ” لحظة مثيرة للجدل في حياة والدها لفّها الصمت طويلا.
واستعانت لهذا الغرض بذكرياتها الخاصة، وبعدد كبير من رسائل المغني الراحل، إضافة إلى شهادات 15 شخصا واكبوه، سواء من أفراد عائلته أو أصدقائه أو أطبائه أو مدير أعماله أو سواهم، ارتضوا من أجلها التخلي عن “موجب التحفظ”.
وقالت بريل خلال عرض الفيلم لجمهور محدود “أردت أن أظهر الرجل بكل نقاط ضعفه في فترة مضطربة جدا”.
يبدأ الفيلم الطويل الذي يقع في ساعة و45 دقيقة في مايو 1973، مع إخفاق فيلمه “لو فار وست” في نيل إعجاب النقاد خلال مهرجان كان السينمائي.
في تلك المرحلة، كان بريل توقف منذ نحو ستّ سنوات عن الغناء أمام الجمهور، إذ كانت آخر حفلة موسيقية له عام 1967، وقد أحزنه جدا عدم تمكنه من إثبات نفسه في عالم الفن السابع.
وفي يوليو 1974، أبحر صاحب أغنية “نو مو كيت با” الشهيرة من ميناء أنتويرب البلجيكي مع شريكة حياته مادلي بامي، وهي ممثلة من جزر غوادلوب الفرنسية كان التقاها قبل ثلاث سنوات خلال مشاركته في تصوير فيلم “لافانتور سي لافانتور” للمخرج كلود لولوش.
لكنّ بريل كان وعد أيضاً ابنته فرانس (21 عاماً) بأن يأخذها معه في هذه الرحلة، وهي الثانية من بناته الثلاث من زوجته تيريز ميشيلسن الملقبة “ميش”.
وروت فرانس في الفيلم الوثائقي أنها اكتشفت في اللحظة الأخيرة أن ضرّة والدتها ستشارك أيضا في الرحلة على متن المركب الشراعي الضخم “أسكوي” الذي يبلغ طوله 19 مترا. ولم يتضمن الشريط الوثائقي أي شهادة لمادلي بامي في هذا الصدد، إذ اقتصر ظهورها في الفيلم على بعض اللقطات الأرشيفية.

“هروب انتحاري”

وكانت فرانس تأمل في أن تقتصر مشاركة مادلي بامي على جزء من الرحلة. في البداية، لم يكن مستبعداً أن تنضمّ والدتها ميش إلى المركب في إحدى محطات توقفه، لكنّ هذا المشروع لم يتحقق قطّ. وكتب بريل لزوجته “لا أتخيلك تجرّين تنانيرك على متن أسكوي”.
في نهاية المطاف، “فرضت بامي نفسها” على متن المركب، على ما يستهجن أفراد العائلة.
وحصل الاشتباك في يناير 1975، في ختام رحلة عبور للمحيط كانت حافلة بالمغامرات. ففي جزر مارتينيك، قال جاك بريل “وداعاً” لابنته، قبل أن يواصل مع مادلي بامي إلى جزر ماركيساس في بولينيزيا، حيث أمضى سنواته الأخيرة معها بعيداً من عائلته.
وبعد 46 عاماً، لا تدينه ابنته، رغم أنها رأته مذّاك مرة واحدة فقط قبل وفاته عام 1978 عن عمر يناهز 49 عاماً.
وأكدت فرانس بريل أن الكشف في خريف عام 1974 عن إصابته بسرطان الرئة قلب كل شيء رأساً على عقب بالنسبة إليه. ويشكل مرضه والصعوبة التي وجدها في القبول بهذا الواقع محوراً رئيسياً للرواية التي يقدمها الشريط الوثائقي.
في نوفمبر 1974، أجريت لجاك بريل عملية جراحية لرئته المريضة في مستشفى شهير في بروكسل، دخله تحت اسم مستعار إلى جناح “الولادة” سعيا إلى تفادي انتقال الخبر إلى وسائل الإعلام. وتناوبت على البقاء إلى جانبه مادلي وميش (التي توقيت عام 2020، وهي أحد الشهود الرئيسيين في الفيلم الوثائقي).
في هذه المرحلة، كان الفنان البلجيكي عاد للمرة الثالثة إلى أوروبا قبل أن يتجاوز “أسكوي” أرخبيل جزر الكناري.
وفي سبتمبر عاد إلى باريس ليدفن أعزّ أصدقائه جورج باسكوييه المعروف باسم “جوجو” في بريتاني، ثم ذهب إلى جنيف (سويسرا) في بداية نوفمبر حيث تم تشخيص إصابته بالسرطان.
وفي كل مرة كان يعود إلى أوروبا، كان ينطلق بعدها مجددا في رحلته، لكنها في الواقع “كانت نقيضاً تاماً للرحلة الهادئة، لا بل كانت أشبه بهروب انتحاري”، على قول فرانس.
ويقام عرض واحد للفيلم يومياً في مؤسسة بريل، ويمكن حجز موعد لحضوره عبر الاتصال هاتفياً بالمؤسسة أو مراسلتها إلكترونياً.