صنع أقلاما من خشب السمر للسلطان قابوس

شاب من بهلا يبدع في تصنيع أرقى الأقلام محليا وعالميا

تصنع الأنامل الموهوبة التي يمتلكها شباب هذا الوطن إبداعات فنية تعكس مستوى الذوق الرفيع والحس المرهف الذي تتميز به هذه الأنامل، وكم من موهبة تحولت لحرفة وصنعة فنية نسجت فكرتها في الخيال أولًا ومن ثم أصبحت واقعا ملموسا بهمة واجتهاد وسعي صاحبها. ومن الحرف الفنية الراقية التي يتميز بها الشاب سعود بن سليمان الهميمي من أبناء ولاية بهلا حرفة صناعة أرقى الأقلام محليًا وعالميًا.

 

نقطة البداية

اقتربنا من الحرفي سعود الهميمي والذي سرد لنا تفاصيل مسيرته الفنية مع تصنيع الأقلام قائلا: بدايتي مع الفن كانت منذ الصغر فلدي ميول في الأشياء الفنية المتمثلة في الرسم والخط العربي وكنت رئيسًا لجماعة الفنون في مراحل تعليمية دراسية مختلفة، وواصلت في الرسم بمختلف أنواعه حتى أتممت دراستي في دبلوم التعليم العام، وبعد التحاقي بالعمل عام 1994 في وزارة التنمية الاجتماعية بدأت في استقطاع 300 ريال عماني كجزء من راتبي الشهري أصرفها لشراء المعدات والأدوات التي تساعدني في ممارسة هوايتي المتمثلة في فن الأركت والتي كنت أعمل فيها على تشكيل الخشب باستخدام مناشير صغيرة تماثل التي تستخدم في صناعة الفضة والمجوهرات وكان لدي الشغف الكبير في تصنيع المنتجات الخشبية وأخصص جزءا كبيرا من ميزانيتي في شراء الأدوات والمعدات إلى جانب شراء واقتناء الكتب والاشتراك في المجلات العالمية من الولايات المتحدة الأمريكية وأخذ المعرفة حول هذا الفن لوجوده بكثرة في بعض دول العالم، وكنت وبشغف أتابع كيفية العمل وطرق وأساليب تصنيع المنتجات وأتعرف على الأدوات المستخدمة بعدها أقوم بتنفيذ ما تعلمته، وفي عام 2005 اتجهت اتجاهًا آخر وهو التصنيع الحرفي للصناديق باستخدام أخشاب طبيعية وإضافة بعض الأصداف والمعادن وعمل النجوم في المناديس باستخدام النحاس والتنجيم، وفي عام 2005 التحقت بالدراسة في جامعة نزوى تخصص إدارة الأعمال وفي الوقت نفسه دراسة تصنيع الأقلام حيث كان لدي الشغف في امتلاك الأقلام لكون المادة غير متوفرة فكنت لا أستطيع شراء هذه الأقلام لكلفتها الغالية، وفي تجربة قمت بشراء قلم عن طريق مواقع التسوق الإلكترونية لأتفاجأ بأنه قطع مفككة لا قيمة لها وأهملته عدة سنوات، مما جعلني أتابع المواقع الإلكترونية ولمدة خمس سنوات ركزت اهتمامي فيها للتعرف على صناعة الأقلام وفي عام 2010 وعند تخرجي في جامعة نزوى أصبحت لدي فكرة ناضجة ذهنيًا وأصبحت ملمًا بكافة التفاصيل. وبدأت التجارب العملية إلى أن وصلت لتصنيع القلم الحقيقي سنة 2011، وفي نهاية 2011 أقيمت مسابقة الإجادة الحرفية وشاركت في المسابقة بطقم اشتمل على قلمين «قلم بنسل وقلم حبر وفتاحة أظرف وميدالية» صنعتها باستخدام مجموعة أخشاب محلية عمانية بالإضافة إلى استخدام الفضة والألمنيوم مع صناعة صندوق لهذا الطقم، وحققت في هذه المشاركة المركز الثاني في جائزة السلطان قابوس للإجادة الحرفية وكانت الدافع الكبير لي وأشعل الحماس والإبداع في هذا المجال وكانت الشرارة الحقيقية لبدء الانطلاقة.

فكرة المشروع

وعن فكرة المشروع قال الهميمي: فكرة المشروع تقوم على استغلال خامات البيئة العمانية من الأخشاب المتوفرة في البيئة الجبلية مثل أشجار العتم والعلعلان والميس والبوت والسهلية مثل أشجار السمر والقرط وغيرها من الأشجار بالإضافة إلى الأخشاب الثمينة في الأسواق العالمية مثل خشب شجرة الورد والأبنوس للخروج بمنتج يرضي أذواق المستهلكين بالجمع بين الحرفة والفن. وتتركز المنتجات في الأكسسوارات الشخصية بجميع أنواعها ويتم التركيز على منتج صناعة الأقلام وملحقاتها والتحف الراقية وغيرها من المنتجات الخشبية.
الحرفي المبدع

وأوضح سعود الهميمي أن الظهور الحقيقي للمشروع في تصنيع الأقلام وقيام مؤسسة الحرفي المبدع كان عام 2013 حيث شاركت في معرض ندوة سيح الشامخات وعقب الندوة تم إبلاغي من قبل المسؤولين بإعجاب المقام السامي للمغفور له السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- بهذا المشروع وبجودة الأقلام التي أقوم بتصنيعها ولتشجيعي طلب مني تنفيذ وتصنيع أقلام من شجرة السمر المتوفرة في ولاية بهلا للسلطان قابوس -طيب الله ثراه. وتأتي المبادرة التحفيزية لإعطائي الثقة الكبيرة بأن منتجاتي من الأقلام نالت استحسان السلطان، فقمت بتجهيز مجموعة أقلام خاصة للسلطان قابوس -طيب الله ثراه- وهذا مما أعتز به، والتحقت ببرنامج (توجيه) الذي تنفذه ريادة في مختلف مراحله لازداد نضوجا في عملية قيام مشروعي بصورة رسمية.
مرحلة التصنيع

ويقول سعود الهميمي: تنقلت بين أنواع الفن من الرسم والأركت وصناعة المناديس والأواني والأدوات الخشبية لاستقر في صناعة الأقلام وعند بدايتي في هذا المشروع لم أجد مشروعًا مماثلًا له في دول الخليج أو الدول العربية لذا كنت متابعًا للمواقع العالمية في طريقة التصنيع، وكنت قد اقتنيت معدة قبل 10 سنوات وتعطلت ومن ثم ركنتها وعند انطلاقة مشروعي قمت بإصلاح المعدة وصيانتها، وبدأت مراحل تصنيع نماذج كقطع ثم بدأت في عمل أقلام بدائية أو أقل كقلة وبه أحبار رخيصة ومن ثم التصنيع الحقيقي للأقلام على الشكل الحالي الذي ظهر عليه المنتج وأعمل باستمرار على تطوير القلم حيث بدأت مرحلة تطوير المنتج من عمل بسيط لعملية مزج الأخشاب إلى مزج الأخشاب مع الألمنيوم ومن ثم مزج الأخشاب مع النحاس ومع الفضة، ومن قلم عادي إلى قلم به عمل فني يدوي راقٍ لا يتكرر ويصعب أن يقوم شخص آخر بنفس العمل والإنتاج والتصميم فهو خلاصة فكر ذهني وتصميم ويختلف عن الأقلام التي تعرض في الأسواق، حيث تصنف الأقلام إلى القلم السائل وقلم الريشة والقلم الجاف، وضمن تصنيفي القلم البسيط أو قلم في متناول اليد وقلم به عمل فني خاص بي ومن تصميمي ومن الأعمال الفنية وبجودة عالية ووفق فكرتي وأنا من أبتكر التصميم والشكل وصاغته أناملي من عصارة فكري.
استخدام الأخشاب الطبيعية

وأشار الحرفي سعود الهميمي إلى أنه يستخدم الأخشاب الطبيعية في صناعة الأقلام حيث في بداية المشروع اعتمد على خشب السمر والمتوفر في البيئة العمانية ومن ثم بدأت فكرة استخدام خشب العتم من الجبل الأخضر ويعد مناسبًا للتصنيع محليًا، وخشب الجوز والجوافة الجوز والقرط وأشجار الحمضيات، كما قمت باستيراد مجموعة من الأخشاب وعملت على تجربة كل نوع ومعرفة إيجابياته وسلبياته حيث استوردت خشب الورد والروز ورد والذي يعد من أغلى الأخشاب وأجودها وهو خشب جميل ويوازي خشب العتم واستوردت خشب الأبنوس وكلفتني قطعة واحدة 700 ريال عماني ومع تقطيعها استفدت منها قطعة بسيطة حيث وجدت بها تشققات. وأضاف الهميمي: مررت بمرحلة فقدت فيها الأمل للحصول على خشب العتم حيث إنني اعتمد على الحطابين ولم أجد من يزودني وراودتني فكرة إغلاق المشروع، كما قمت بزراعة 16 شتلة من أشجار الزيتون ليزودني بالخشب إلا أن هذه الشجرة تحتاج لسنوات طويلة لكي تنمو لتمتلك الخشب القابل للتصنيع بجودة. وبحمد الله تذللت هذه الصعوبات واستطعت أن أجد أحد الحطابين من الجبل الأخضر يوفر لي بعض أخشاب الأشجار، حيث إنه عند تلف بعض الأشجار يتم قطعها واشتريها وكذلك أشجار الجوز الميتة وهناك تواصل مع العديد من الحطابين في الجبل يبلغوني حال توفر هذه الأخشاب، ورغم تكلفتها إلا أنني في أمس الحاجة إليها، كما قمت باستيراد أخشاب من خارج السلطنة ومنها خشب الورد الذي وجدته الأنسب لي في التصنيع وقد دفعت ما يزيد على 4 آلاف ريال عماني لشراء هذا النوع من الخشب والذي يتميز بأنه خشب جاف ويأتي مقطعًا وجاهزًا للتصنيع.
ابتكار التصاميم والتقانة الحديثة

وبيّن سعود الهميمي بأنه استمر في تطوير مشروعه وعمل على استخدام التقانة الحديثة وابتكر بنفسه التصاميم وابتكر معدات تساعده في العمل، كما عمل على استخدام الحاسب الآلي في عملية تصميم الأشكال والفضيات والتوازن بينها، كما أنه استعان بشبكات التواصل الاجتماعي في عملية التسويق الإلكتروني.

قيام المؤسسة

وقال الهميمي: إن مؤسسة الحرفي المبدع تأسست 2012 وفي عام 2013 أصبحت لها علامة تجارية مسجلة وبدأت الانطلاقة من هواية وحرفة إلى مهنة تعود لي بدخل شهري، وقمت بتفعيل التسويق المفتوح عن طريق الانستجرام وفتحت لي المجال لبيع منتجاتي عالميًا، وأقمت مشروعي وورشتي داخل منزلي، ولم أفضل الخروج فمعظم من عرفتهم وتابعتهم تجد ورش العمل بمنزلهم وسرت على نفس هذا الاتجاه.

التسويق للمنتج

الحرفي سعود الهميمي قال: إن تسويقه لمنتجه من الأقلام الراقية يتم بعدة طرق منها عن طريق المعارض حيث أشارك بمستوى عالٍ في معارض السلطنة ومنها إبداعات عمانية ومتواجد في مختلف المعارض الداخلية بالولاية وعلى مستوى المحافظة ولدي مشاركات في مختلف محافظات السلطنة وخارج السلطنة شاركت في معارض بالبحرين وماليزيا وقطر الإمارات والأكثر فعالية لدي هو التسويق الإلكتروني وعن طريق الانستجرام ووسائل التواصل الاجتماعي والتسويق المدفوع حيث إنني أوجه التسويق المدفوع لعمان وخارجها، ولدي زبائن من الدول الخليجية والأوروبية والمشروع له جدوى اقتصادية، وحاليًا استلم راتبي من المؤسسة، كما يساندني أربعة من الشباب، وتتم مكافأتهم حسب العمل المنجز، حيث يعمل الفريق كخلية نحل عند تلقي جملة من الطلبات المتنوعة. وعن أسعار المنتجات أوضح الهميمي أن أغلى قلم قام بتصنيعه وصل قيمته 130 ريالًا عمانيًا وهو مصنوع من مجموعة أخشاب عمانية وأخشاب مستوردة، المحلية منها أخشاب العتم والمر والميس والجوافة والجوز والقرط وأشجار الحمضيات أما المستوردة فأخشاب الورد والكرز والزان والساج وهذا القلم مطلي ببعض المعادن ومطلي بالذهب وبه نحت يدوي، ولدي أقلام تصل قيمتها إلى 100 ريال عماني وهي مطعمة بالفضة العمانية والصفيلح، كما أنني بعت طقمًا بقيمة 165 ريالًا عمانيا ويشتمل على قلمين وفتاحة أظرف وميدالية. وأضاف الهميمي: إن تصنيع القلم يتفاوت من قلم إلى قلم آخر، وهناك أقلام أعمل على تصميمها بالأشهر، أما التنفيذ فمن يوم إلى أسبوع ليخرج بصيغته كأنموذج أولي بينما باقي النسخ لا تستغرق وقتًا، ويعتمد الوقت على نوعية القلم والعمل الفني ومكونات القلم الأخشاب المستخدمة فيه وعملية الجمع وإضافة النحاس والفضة كلها عوامل تستغرق وقتًا إلى جانب التجارب في النماذج الجديدة.
صعوبات

وعن الصعوبات التي واجهته في مشروعه قال الهميمي: واجهت عدة صعوبات منها توافر المعدات كمشروع غير موجود في الدول العربية لذا عملية البحث عن الأدوات والمعدات تشكل صعوبة واستطعت توفيرها من خلال البحث في الإنترنت والمواقع العالمية، كذلك توافر المواد الخام وخاصة الخشب حيث إن السلطنة غير منتجة للأخشاب وتعتبر شحيحة وأيضًا مجرّم قص الخشب والسمر وبه محاذير التلف وقاسٍ في التصنيع، كما أنني استطعت الحصول على بعض الأخشاب كالعتم وغيرها من الحطابين من خلال وجود أشجار ميتة، وعملت على الاستيراد الخارجي لتوفير اللازم من الأخشاب وأهمها خشب الورد، وكما يعلم الجميع فإن المنتج تكلفته غالية فواجهت في البداية صعوبة بيع المنتج ولكن ولله الحمد ومن خلال التسويق الإلكتروني وجدت الزبائن إلى جانب الجهات الحكومية والشركات.

طموح

الحرفي سعود الهميمي قال: طموحي أن يكون منتجي قمة في التميز وأتوسع في التسويق العالمي، وأسعى إلى تطوير التصاميم وحاليًا أعمل على إنشاء وتطوير موقع إلكتروني وأطمح ليكون نقلة نوعية وواجهة للمشروع.
ووجه الهميمي كلمة للشباب بأهمية استغلال الموهبة التي منحها الله له، وما تميزه عن غيره وينبغي لكل من يبحث عن التميز أن يعطي ويبدع ويركز على الموهبة ويسعى لتطويرها، وربما مستقبلًا تكون مهنة فأنا بدأت كهواية في الرسم والخط وحبي للهواية وتطويري لها أصبحت من حرفة إلى مهنة وتركت عملي الحكومي لأتفرغ لمشروعي واستغللت الحظر المتعلق بجائحة كورونا إيجابيا في عملية التصنيع والتسويق محليًا وخارجيًا.

إنجازات

حقق الحرفي سعود الهميمي العديد من الإنجازات أهمها حصوله على العديد من الجوائز منها أبرزها جائزة السلطان قابوس للإجادة الحرفية عام 2012م ودرع وشهادة تقدير من المنظمة العالمية للملكية الفكرية عام 2012م وتكريم عام 2013م كأفضل حرفي مجيد وشهادة تقدير من جائزة ريادة الأعمال عام 2014م كمشروع متميز وجائزة الرؤية الاقتصادية 2015 كأفضل مشروعات القطاع الخاص فئة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ومن ثم التتويج بكأس مسابقة السلطان قابوس للإجادة الحرفية لعام 2015/ 2016م فئة المنتج الحرفي في مجال الخشبيات وأخيرا جائزة مجلس الحرف العالمي لعام 2016م.