لماذا يريد جنرالات إسرائيليون اتفاقا جديدا مع إيران؟

قد يُدهِشُ ذلك البعضَ. لكن عندما كشف الرئيس الأمريكي السبق باراك أوباما عن شروط الإتفاق النووي الإيراني في عام 2015 تنفس كبار قادة الجيش الإسرائيلي الصُّعَداء. أنا على علمٍ بذلك. فقد كنت هناك.
بصفتي لواء في جيش الدفاع الإسرائيلي تولَّى منصب نائب رئيس الأركان العامة، يمكنني أن أشهد بأن الشعور الذي ساد وسط الرُّتَب العليا كان الإرتياح.
ومع انكباب خبرائنا النوويين والأمنيين والدبلوماسيين في دراسة التفاصيل المعقدة لخطة العمل الشاملة المشتركة (الإسم الرسمي للإتفاق النووي الإيراني) اتضح إلى أي حد كان ذلك الإتفاق جيد الإعداد وإلى أي حد سيكون أداة حيوية لمنع التهديد الوجودي (لإسرائيل) من جانب إيران النووية.
لكي نكون واضحين، لم يكن الإتفاق مثاليا. لكنه كان جيدا بما يكفي. (في الجيش سرعان ما تتعلم أنه لا يوجد شيء اسمه الحل المثالي). كان اتفاقا ألزم إيران بالتخلي عن 98% من مخزونها من اليورانيوم المخصب وملء (فتحات) مفاعل المياه الثقيلة بالأسمنت المسلح وإجراء تقليص كبير لمخزونها من أجهزة الطرد المركزي العاملة وإغلاق أي مسار لإنتاج البلوتونيوم بغرض التسلح. لقد كان اتفاقا أعاد البرنامج النووي الإيراني إلى الوراء بقدر مؤثر. فعل ذلك بطريقة يمكن التحقق منها. وهذا بالضبط ما كنا نريده.

ما كان صحيحا حينها يظل صحيحا اليوم. وانا لا أزال على إعتقادي بأن من المصلحة المُلِحَّة للأمن الوطني الإسرائيلي عودة الولايات المتحدة إلى التقيد بالإتفاق. ثم استخدامه كأساس لمفاوضات لاحقة.
حاول الرئيس وقتها دونالد ترامب إتباع سياسة «الضغط الأقصى» والتي بموجبها انسحبت الولايات المتحدة أحاديا من الإتفاق النووي الإيراني وأعادت فرض العقوبات واستحدثت ركاما من العقوبات الجديدة وهددت إيران مرارا بالهجوم العسكري واغتالت بقصد الإستفزاز أحد كبار القادة الإيرانيين. حاججت إدارة ترامب بأنها يمكنها، بالمزيد والمزيد من التضييق على إيران، انتزاعَ تنازلات جديدة كبرى منها.
لكن الإنعدام الواضح لنتائج تلك السياسة يبيٍّن أن إتفاق أوباما الإيراني يظل الطريقة الوحيدة المؤكدة لوقف تنامي القدرات النووية لإيران وتفكيك منشآتها وخفض مخزوناتها.
وفي حين أن ذلك كان هو الرأي الأصلي لمعظم أعضاء المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلا أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو لا يرى المسألة على هذا النحو.
فبعد أن سعى على مدى فترة طويلة لتقديم نفسه للناخبين كمتشدد لا يساوم في قضايا الأمن وبعد أن وظَّف ولفترة طويلة أيضا «تهديد العدوان الإيراني» لتعزيز العلاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة وتشتيت النقد الموجه له حول الصراع الفلسطيني، رأى نتانياهو في الإتفاق الإيراني مهددا لشرعيته. وشن هجوما شاملا على الإتفاق، منتهكا في ذلك المعايير الدبلوماسية بالتنسيق مع الجمهوريين الأمريكيين الذين عارضوه وبإثارة الشكوك حول إلتزام إيران به.

سعى نتانياهو الحليف السياسي الوثيق لترامب إلى دفع الرئيس القادم بايدن للتنصل عن إتفاق أوجدته الولايات المتحدة نفسها. ورغم احتفاله «بالانتصار» عندما انسحب ترامب من الإتفاق في عام 2018 إلا اننا يمكننا الجزم بأن تلك الخطوة لم تجعل إسرائيل أكثر أمانا.
ومنذ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق ترتَّبت سلسلة من العواقب لم تدفع أي منها إيران نحو إعادة التفاوض أو تعزز الموقف الاستراتيجي للولايات المتحدة أو تشكل رادعا لإيران من تصرفات تؤثر على الاستقرار.
وبعد أن حافظت إيران على ما يليها من الاتفاق عندما كانت الولايات المتحدة ملتزمة به، ها هي الآن مرة أخرى (بعد انسحاب أمريكا) تشرع في تخزين المواد وإعادة بناء منشآتها النووية. كما تحذر المفتشين الدوليين بأنهم ربما لا يحصلوا على الإذن بالتفتيش الكامل لهذه المنشآت.
لن يجعل أي من هذا إسرائيل أكثر أمانا. لن يجعل أي من هذا الولايات المتحدة أكثر أمانا. ولن يغلق أي من هذا الطريق أمام إيران للحصول على قنبلة نووية.
جعل بايدن استعادة الاتفاق الإيراني أولوية قصوى لإدارته. وهنالك العديدون في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ممَّن يتمنون له، في هدوء، النجاحَ في ذلك. فعلى الرغم من أن الاتفاق النووي قوبل بالاستخفاف من جانب نتانياهو إلا أن هناك تأييدا قويا له في الجيش الإسرائيلي.
على الحكومة الإسرائيلية، بدلا عن تقويض جهود بايدن كما فعل نتانياهو لمساعي أوباما قبله، السعي لأن تكون سندا استراتيجيا ومؤثرا للاتفاق. ومن المهم أن تعمل على تشكيل ودعم اتفاقيات لاحقة محسوسة وفعالة.

فرصة التحرك تضيق والحاجة إليه مُلِحَّة. ومع اقتراب موعد الانتخابات الإيرانية واضمحلال الصبر الدبلوماسي هنالك احتمال في أن يحل محل الرئيس حسن روحاني الذي يناصر إعادة الارتباط متشددٌ مُعادٍ للاتفاق. وإذا لم تنجح إدارة بايدن في التوصل عن طريق التفاوض إلى عودة كاملة من جانب الولايات المتحدة وإيران إلى الاتفاق النووي ستكون إسرائيل أحد أكبر الخاسرين.
وبدون وجود مسارات دبلوماسية لحسم مصالحها الاقتصادية والأمنية ستكون إيران أكثر عزما على تعزيز استراتيجيتها في إبقاء خصومها مشغولين بصراعات الوكالة ودعم حلفائها بما في ذلك حزب الله وبناء رادع استراتيجي من خلال قدراتها النووية. وقد تكون النتيجة حربٌ شاملة لها عواقب بالغة الخطورة لإسرائيل والمنطقة.
لذلك يجب أن تسود العقول الأكثر هدوءا وتفكيرا استراتيجيا. علينا استخدام الدبلوماسية لمواجهة هذا التحدي.

  • الكاتب نائب سابق لرئيس الأركان العامة لقوات الدفاع الإسرائيلية وحاليا عضو بالكنيست (البرلمان الإسرائيلي) عن حزب ميرِتس