دَرّاجة المطروشي الصدئة

خالد علي المعمري

يأتي نَصُّ (على درّاجةٍ صدئة) للشاعر حسن المطروشي، الوارد في مجموعته الشعرية (مكتفيا بالليل: 2016)، مكتنزا بالدلالات الشعرية، ومتقاطعا مع الاشتغال السردي، وهو ملمحٌ نجده في كتابات المطروشي الأخيرة منذ مجموعته (على السفح إياه: 2008) إلى مجموعته الأخيرة (ليس في غرفتي شبح: 2019)؛ إذ يُقدِّمُ نصوصا شعرية مكثّفة في لغتها الشعرية، ومحمَّلة بدلالات رمزية، واشتغالات سردية. إنّ هذا الاشتغال في عُمْقِ النص الشعري الحديث يحيل على مدى التكامل بين الشعر والسرد في مرحلة جديدة من صناعة التشكيل الفني للنص الشعري الحديث، ومن ذلك ما يظهر من تكاملٍ بين الشعر والسرد، والشعر والدراما، والشعر والفنون وغيرها.
إنّ المطّلع على نص المطروشي سيدرك مدى هذا التمازج بين شعرية النص، واتجاهاته السردية، فالنص يتجاذبه اتجاهان اثنان: اتجاه تحكمه اللقطة الشعرية السريعة من جهة، وآخر يحكمه التعبير السردي في عناصر معينة، وهنا يُحيلنا النص في سرديته على عناصر مهمة في التشكيل الفني متمثلة في الشخصية، والمكان، والزمان ما يدفع النص إلى التوحد في اللحظة الزمانية/ المكانية ويجعله منفتحا في تفاعلاته على ما يعرف بـ«الزمكانية» عند ميخائيل باختين؛ فهذه اللحظة المتمثلة زمانيا في الصباح/ المساء هي ذاتها لحظة قيام الفعل في المكان البحر/ البيت، مما يعمل على تشكيل فنيات تلك اللحظة في الحدث الشعري/ السردي، وهنا يتحرّر النص من قواعده الشعرية ليمتزج مع الرؤية السردية مقدّما لنا صورة دراجةٍ قديمةٍ، صدئةٍ، يقودها طفلٌ، لكنَّ الدراجة التي يحيل عليها النص الشعري هي أشبه ما تكون بشاشةٍ كبيرة يشاهد من خلالها القارئ مشاهد يومية، وصورا ووجوها عديدة في إحدى القرى التي تضم أطيافا مختلفة من المجتمع. لقد رسخت تلك المشاهد في الذاكرة، واستطاع الشاعر من خلال طوافه الزمني بالدرّاجة أن يستعيد جميع صورها: البحّارة، والحطّابين، والفلاحات، والسردين المجفف، وبيّاعات الفأل، والرعاة. إنها ذاكرةٌ ريفية تعلَّقتْ بالذاكرة طويلا، وهي تثبيتات السعادة المتشكّلة عن أرض الطفولة غير المتحركة للذاكرة والذكريات على حد تعبير غاستون باشلار.
لقد سرد لنا المطروشي ذاكرة المكان في أكثر من نص شعري، فاسترجع شناص، على سبيل المثال، بما فيها من ذاكرة، وأمكنة، وشخوص، وظلَّ المكان بكل تفاصيله ودلالاته ورموزه مختبئا في نصوصه ولغته وإيحاءاته الرمزية، إلا أنّ هذا النص جاء مكثفا بدلالات لا تحيل على موضع واقعي بعينه، بل يطوف مثلما تطوف الدرّاجة على عوالم خيالية مختلفة، عوالم تضم أطيافا مشاهدة، ومختلفة في طبائعها، ورموزا تحيل على مضمراتٍ يقصدها الخطاب الشعري، وحين تنفتح لغته يكون قد تشكّل في اللاوعي حاملا معه شخصيات رسمها الشاعر بدقة وعمق متناهٍ، شخصيات تشكّلتْ في الخطاب ضمن رحلة صباحية، وارتسمت في ذاكرة الطفل، إنها الذاكرة نفسها التي تعود مساءً متعبةً، ومثخنة بالغربة والانطفاء الزمني.
تقودنا عتبة النص إلى دلالات تبعث على التأمل؛ إذ يأتي العنوان مجتزئا من تركيبته الأولى (الشخصية/ الطفل)، والاكتفاء بوصف خارجي للدرّاجة (الصدئة)، بمعنى أنّ التركيز الدلالي هنا قائم على الدرّاجة دون شخصية الطفل، فالدراجة تقوم بفعل الطواف والحركة، ونقل المشاهد والصور معها، إنها دراجةٌ صدئةٌ بتعبير الشاعر، لكنها قادرة على اقتحام عوالم اللغة، وفضاءات الأمكنة، وتقاطعات الزمان، إنها تنقل لنا الحضور الكلي للدلالة ظاهرةً أو مضمرةً في زوايا النص، وتدفع بنا إلى الدخول في النص والطواف مع الطفل/ الدراجة في عالمهما التخييلي.
لقد اختلف هذا النص من حيث اشتغاله الفني على دلالات الصورة التي يقصدها، فكان الانتقال من النزعة الرومانسية في عدد من نصوص المطروشي السابقة إلى الاشتغال اللغوي/ الرمزي. وإنّ المتأمل في هذا النص تحديدا يجد أنّ حضور الدراجة كونها مفردة دلالية لها أبعادها ضمن سياقات دلالية أخرى جاء محتفيا بالمكان أكثر من أي شيء آخر؛ فرغم وصف الدراجة بالصدئة في العنوان وخاتمة النص، فإنه يركز من خلالها بصورة أدق على الأمكنة والشخوص، وكأن الدراجة هي آلة الزمن التي تعبر بشريط الذكريات من موضع لآخر، يقول المطروشي:
(على دراجةٍ صَدِئة)
الطفْلُ على درّاجَتِهِ الصَّدِئة
يَمْضي للبحْرِ صباحًا،
يَعْبُرُ بالبَحَّارَةِ،
بالحَطّابينَ الأفْظاظ،
بفَلاّحاتِ الحيِّ،
برائحةِ السردينِ الجافِّ،
ببَيَّاعاتِ الفأْلِ،
وبالرُّعْيانِ،
يطارِدُ شَمْسًا مُبْتَدِئة
الطفْلُ على درّاجَتِهِ الصَّدِئة
سَيَعودُ عِشاءً بالغرقى للبيتِ،
بلا وجْهٍ،
وعلى كَتِفَيْهِ
دموعُ قَراصِنةٍ
وعُصورٌ مُنْطَفئة!
إن وصف الدراجة بالصدئة في موضعين من هذا النص المكون من خمسة عشر سطرا شعريا هو دلالة على قدم الذاكرة المترسخة في العقل الباطن، إذ يركّز على دلالة القدم من خلال مفردة (صدئة) ينطلق من خلالها إلى تكوينات زمانية/ مكانية، فرحلة الدراجة الصباحية في اتصالها بذاكرة الصباح ترد متصلة بوصف ظاهري للمكان، ففي الصباح تمرّ الدراجة بأمكنة مختلفة: على البحر، والبحّارة، والحطابين، والفلّاحات، ورائحة السردين الجاف، وبياعات الفأل، والرعيان، والشمس المبتدئة، وهنا يصف النص مشهدًا لحدث يوميّ تقوم به الشخصية/ الطفل، وفي المساء الذي تنتهي معه الرحلة يكون الوصف أيضا قائمًا على مشهدٍ غرائبي إذ يعود الطفل مع دراجته بالغرقى، وبلا وجه، وبدموع قراصنة، وعصور منطفئة.
إنّ التعبير الشعري في المقطع الأخير من النص هو ما دفع المتلقي لاستنتاج الدلالات المختبئة في النص، فدلالات الغرق، والدموع، والانطفاء دلالات تعبيرية كافية لإشعال الصراع الضدّي الداخلي القائم على تفجير المفردات رغم قصر الأسطر الشعرية، ثم إنها دلالات تأتي بعد لحظات تأمل صباحية تظل عالقةً حتى لحظة الانتهاء والانطفاء.
لقد أراد المطروشي احتواء المشاهد اليومية في ذاكرتين اثنتين: ذاكرة الطفل، وذاكرة الدراجة الصدئة، فهما معادلان مهمان في توظيف اللغة الشعرية، واستنطاق المضمر، ورغم ذلك فإنّ النص هنا لم يبح بدلالاته كاملة، والشاعر لم يزد في جُمَلِهِ الشعرية، ولم يتكلف في الوصف، بل جعل جمله قصيرة دالّة على التعبير الشعري الذي تضمره اللغة والصورة، ودالة أيضا على التشكيل السردي بما تضمره الحركة الأفقية داخل إطار المكان/ النص، ومعه يبدو أن النص يُخفي داخل جُمَلِهِ الشعرية إيحاءات داخلية قد وظّف رموزها، فكل سطر يحيل على رمزٍ أو مضمرٍ يحاول التعبير عنه، فدلالة البحر والبحارة لها ارتباط قيمي، وتخييلي في آن واحد بالرموز التي تليها، والتي تأخذ من خلالها المفردات والتأويلات بالتوسع، ثم إنّ الطفل نفسه له دلالات زمانية ومكانية حين تتشكّل الصورة في ذاكرته الطفولية، ثم في مسافة زمنية مفاجئة تقترب من الانطفاء مُشكّلةً حدثًا متسارعًا في الحركة الداخلية، وإيقاعًا صوتيًا يهمس في اتجاهات زمنية متعددة.
لقد عملتْ هذه المزاوجة بين الشعري والسردي على انفتاح النص على أسئلة كونية، يقوم النص الشعري الحديث على ترتيبها، وتشكيلها داخل إطاره الشعري، ما يدفع المتلقي إلى السؤال عن مرجعيات النص الشعري، وهويته، ومضمراته الدلالية، وإيحاءاته، ورموزه المختلفة. وهذه الأسئلة هي نفسها التي أقحم فيها المطروشي شخصية نصه، وأثار معها أسئلة مختلفة في ذاكرةٍ طفولية لم يتخلَّ معها عن دراجته الصدئة، وفضّل أن تعبر به أزمنة الشعر وأمكنته.