خنساوات سوريا في عيد المرأة العالمي، شموخ من أجل بقاء الوطن

دمشق – عُمان – بسام جميدة:

شعرت بالغصة التي انتابت أم علي ذات الـ 58 عاما وأنا هاتفها لتتحدث لي عن
معاناة المرأة السورية خلال سنوات الحرب العشرة الماضية، فقد خنقتها العبرة
أكثر من مرة وهي تتحدث عن اثنين من أبناءها دفعت بهم إلى ساحات الحرب لمواجهة
الإرهاب الذي يفتك بالوطن ولم يعودا إليها فقد استشهد كل منهما في مدينة، أم
علي تتحدث بمرارة وهي تواجه صعوبات الحياة وتأمين مستلزماتها بعد أن أخذ الحزن
منها مأخذا، فقالت، كان لابد لي من أن اشتغل لأجل لقمة عيش شريفة، فأنا أرملة
وعائلتي مؤلفة من 3 أولاد وابنتان، إضافة لطفلين لأحد أبنائي الشهداء بات من
واجبي رعايتهم مع أمهم أيضا، لا عيد لنا أبدا قبل أن تتوقف طاحونة الحرب ويعود
الوطن سالما.
تلك صورة من الآف الصور للمرأة السورية التي عانت الأمرين خلال هذه المحنة،
فهناك من فقدت زوجها وابناءها واخواتها، وصبرت وكابدت ونزلت إلى ميدان العمل
لكي تعتاش بشرف وكرامة، رغم جولات النزوح والتشرد. لكل امرأة في سورية حكاية
ورواية كتبتها فصول الحرب العبثية التي لم تبق ولم تذر، ومع ذلك تبقى صورة
المرأة السورية الصامدة سواء في الداخل والخارج هي التي يعول عليها في إعادة
بناء الوطن والإنسان، والحق إلى نصابه.

كل عام وهن صابرات

الباحثة السياسية والكاتبة السورية ميس الكريدي تحدثت “لعُمان” قائلة “في عيد
المرأة العالمي تتصدر المرأة السورية قائمة مناضلات هذا العالم وتغدو المفارقة
في أن العيد كلمة ترتبط بالفرح مجازياً بينما نحن هنا نتحدث عن مأساة إنسانية
بكل المقاييس يسترها صمت البيوت التي أثكلتها الحرب.
المرأة السورية اليوم هي تلك التي فقدت أبناءها وتلك التي تعمل لتعيل عائلتها
وتلك التي تفرش قلبها ليسكن فيه صغارها الذين هدمت بيوتهم في الوطن.
المرأة السورية هي تلك التي تقطع البحر تحت ظلال البقاء بحثاً عن الأمان
المفقود.. المرأة السورية هي تلك التي تسند أعمدة الخيمة في المخيمات بوجه رياح الطبيعة ورياح المصالح الدولية التي تقتلع الأوطان.. المرأة السورية هي المحاصرة في كل مكان تلف ثيابها على أطفالها لتواجه وباء كورونا في غفلة من العالم الظالم ..
المرأة السورية تعمل في المعامل وفي البيوت الثرية تعمل لتقتات بعد أن سرق
منها تجار الحروب كل ما يمكن أن يحميها.. المرأة السورية هي التي فقدت فقدها العظيم ولم تتمكن من ممارسة طقوس حزنها حفاظاً على ماتبقى لها من كيان.. هي الحاضرة في كل مكان في الوطن ستضمه بيديها لتعيد ترميمه بعد أن سرقت الحرب
شباب الوطن..”
وتابعت كريدي قائلة بحرقة “كنت أتمنى أن تحمل كلماتي صيغة الفرح الذي يليق
بالعيد لكن الحقيقة عارية تقف بوجه الدنيا ولا يجب طمسها، بل الاعتراف بها مع
الاصرار على البقاء بإرادة العطاء المؤنثة فالمرأة هي الأم والأم هي الأمّة
وهذا هو التفاؤل الحقيقي بأننا كنساء سنبقى كما هي الحياة.
المرأة السورية تواصل حياتها في الجامعة والمدرسة ولو أن كثيرات حرمتهن
المأساة من مقعد الدراسة ومن سياج الطفولة وقذفتهن في أحضان المتاجرين
بطفولتهن وكل العالم سمع ورأى التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية عن زواج
القاصرات السوريات لقد مرت كل أوجاع العالم على جسد المرأة السورية وما زالت
ترفض وسترفض واقع الاتجار بالبشر الذي تجلى في استغلال قسوة ظروفها من كل
المتاجرين فأوقعها في شراك كل المآزق الإنسانية، فكل عام وهن صابرات.
ولكن كل ما سبق ينقلها نقلة عظيمة تحققها بالإرادة وبمواجهة عرفتها فقد تمكنت
بالوعي والعمل وصناعة الوجود وسيرى العالم كيف ستقلب كل تلك العقبات إلى قدرة
على البناء والمواجهة وكيف ستصنع السلام بالمسامحة والانتصار على كل أصناف
الموت بإرادة الحياة وليس كلامي جزافياً لكنه واقع لأن النساء في سوريا يمثلن
النسبة الأعلى من اليد العاملة وهذا لزوم مايلزم وسيرفعها إلى المقدمة في
إدارة عملية البناء وإعادة الإنتاج للحجر والبشر”.

مفرزات الحرب
خلفت الحرب السورية التي تدور رحاها منذ 10 سنوات وجود اكثر من نصف مليون
أرملة في سوريا وغالبيتهن يعشن حياة محفوفة بالمخاطر ومنها التحرش واضطرارهن
للعمل بأجور زهيدة وفي أوقات وأماكن جديدة عليهن، وممارسة أعمال لم يمارسهن من
قبل كالسواقة والميكانيك والبناء وغيرها، ناهيك عن حالة العوز المادي بسبب
الغلاء الفاحش ومتطلبات المعيشة الصعبة.
المرأة السورية التي وجدت نفسها في خضم الحرب باتت اليوم مطالبة بأن تكون كل
شيئ في حياة الاسرة، فهي المعيل والمربي، وربما يكون المشهد الأكثر مأساوية
للمرأة في المناطق الساخنة التي مرت بها التنظيمات المتشددة وداعش، حيث أجبروا
المرأة على العودة إلى عصور الظلام، وما تحدثت به كثير من النسوة لا يدعوا فقط
للألم بل إلى إعادة النظر بكل ما جرى واستنباط العبر من خلاله. وللأسف حتى
محاولات المنظمات العالمية الإنسانية والحقوقية التي تريد مساعدة النساء في
تلك المناطق يتم منعها بحجج كثيرة من قبل تلك الفصائل بكل تسمياتها.

نماذج مشرفة

المدرسة إخلاص إبراهيم التي تعيل أسرة مؤلفة من اربع أشخاص تقول، “اليوم باتت
المرأة السورية الأكثر تضرراً خلال الحرب ومثالاً للنساء أجمع ولا تزال تواجه
المشاكل والمعوقات إلا أنها أهل للمسؤولية في أقسى ظروف الحياة.
ورغم الغلاء الفاحش وسوء الأوضاع الاقتصادية جعل من أغلب العائلات السورية
لا يكفيها معيل واحد مما اضطرت النساء للعمل ولتأمين بعض مستلزمات الحياة
ويعملن بأعمال غير سهلة تصعب على الرجل تحملها لمواجهة التحديات التي خلفتها
ظروف الحرب، وقدرتها اللامتناهية على العطاء وها نحن نذكر لكم معاناة إمرأة
سورية تخرج منذ الصباح الباكر برفقة ولدها الأكبر إلى العمل لتجني رزق
أولادها فأصبحت المعيل لإولادها بعد االغياب القسري لزوجها منذ 5 سنوات، هذه
المرأة ليست وحدها في تلك المعاناة بل واقع مرير فُرض على الكثير من النساء
السوريات ودخلن في مجالات متنوعة وأيضاً إمرأة سورية من محافظة الرقة التي
تعمل في ورشة لتصليح السيارات(ميكانيك) وطالبة تعمل سائقة بحافلة لنقل الركاب
من السويداء إلى دمشق ومثلهن الكثير .. هذه الاعمال تحتاج إلى مجهود عضلي وجسدي كبير ولكن رغم هذه الضغوط المتنوعة إلا أن النساء السوريات استطعن تحدي
المستحيل في سبيل الحفاظ على أسرهن وكرامتهن وأصبحت في ظل الحرب هي الأم
والأب.. والناشطة .. والمعلمة التي فقدت بيتها وزوجها وأطفالها ولكنها لم تفقد
شجاعتها وإصرارها وأملها بقادمٍ أفضل”.

القائمة والأرقام كثيرة

لا يتسع المقال هنا لعرض كثير من الأرقام ولا الحديث عن دور المرأة السورية
وما فعلته وما عانته في الحرب، ولا لاستعراض الأرقام عنهن، كأرامل ومتزوجات، ولا عن كثرتهن مقابل اعداد الذكور في البلاد، ولكن ما نسطيع أن اختصره هنا بأن أقول، أن الحرب اوجدت مئات النساء مثل الخنساء، فتلك التي قدمت خمسة من أولادها في ساحات الحرب، وتلك التي تربي أطفالها وأطفال مدينتها المنكوبة، وتلك التي تعمل
بشرف، وتلك التي امتهنت العمل الشاق وكل ذلك من اجل أن لا تنحني أو تهزمها
الحرب الضروس، ويبقى الوطن شامخا بشموخها، تلك هي صور من مئات الصور التي رغم اتشاحها بالسواد فهي ناصعة البياض لأنها تعني صمود شعب لم تهزمه الحرب ولم
يهزمه الفقر.