قصيدة شكر للمرأة في يومها العالمي

في كل مناسبة يُحتفى فيها بالمرأة تزهر الدنيا ورودًا، ويتفتح الربيع قبل أوانه، وتغرّد العصافير، وتجري الأفلاج بمياهها العذبة وخريرها الموسيقي، فينسى الناس أوجاعهم وآلامهم ويتعالون عما يحيط بهم فلا يرون ولا يسمعون إلا ذلك الجمال المتوهج من المرأة الذي يتسع للكون كله.
وأمس احتفى العالم «باليوم العالمي للمرأة»، واحتفى المجتمع العماني بنصفه المشرق، وبجناحه الذي لم يكن ليستقيم الطيران نحو المستقبل إلا به، فكان النصف الموازي، والنصف الداعم، والنصف الذي يصنع الفارق في كل تفاصيل حياتنا.
وليست هذه قصيدة شعر رغم أن المرأة أجمل قصيدة لم تكتب بعد، وليست هذه رسالة غرام رغم أن الغرام لا يستقيم إلا بها ومعها، ولكن هذه حقيقة المرأة ومكانتها التي تستحقها كل حين.
وإذا كانت المواقف تكشف المعادن فإن التاريخ العماني يُعطي دروسًا في المكانة التي كانتها المرأة على مرّ تاريخ هذه الأمة العظيمة فقد كانت مربية للرجال ومعمرة للمجتمعات وقائدة وفقيهة يعود الناس إليها في الإفتاء وسياسية ووصية على العرش بل كانت مفكرة يهتدي المجتمع بفكرها.
وفي العصر الحديث لعُمان نالت العمانية ما لم تنله نساء الكثير من المجتمعات، فكانت وزيرة ووكيلة وسفيرة، وعضوة انتخبها المجتمع لتمثله في مجلس الشورى وعضوة معينة في مجلس الدولة وهي طبيبة ومهندسة ومدرسة وموظفة تدير مؤسسات كبيرة وضخمة في مختلف المجالات، ولذلك لم تظهر في عُمان، كما ظهر في غيرها، أصوات تطالب بحرية المرأة وتخليصها من أغلال وتراكمات الأيام، فالعمانيات عرفن مكانتهن الحقيقية ومارسنها كما ينبغي لهن فكان الرجل يعرف ذلك ويدعمه على الدوام.
وإذا كان سياق الحديث عن إنجازات المرأة العمانية يجر استعراض الوظائف الإدارية التي تبوأتها في العصر الحديث، وهذا مفهوم جدًا، فإن مما يجدر ذكره في هذا السياق الاحتفائي نماذج من النساء اللاتي أخذن على عاتقهن تربية أبنائهن «ربات البيوت» مضحيات بأمجاد الوظيفة ووهجها في سبيل تربية أبنائهن وتكريس القيم الإنسانية الأصيلة فيهم.
هؤلاء النساء/ الأمهات أخلصن التربية وأجدن المهمة وأشعلن حياتهن من أجل أن يضاء طريق أبنائهن ومجتمعهن وهو يسير مسيرته المباركة نحو المستقبل، كما لا بدّ من الإشارة إلى النساء العاملات في المهن والحرف التقليدية في المصانع والحقول وفي المشروعات البسيطة التي تنطلق من المنازل لتحييها وتحيي أسر بأكملها فهنّ أنموذج من نماذج العطاء والتضحية تستحق الذكر وستحق الوقفة معها في هذا المناسبات.
وفي احتفاء العالم بيوم المرأة هذا العام بالتحديد لا يمكن أن نتجاوز الدور الكبير والريادي الذي قامت به المرأة في ظل جائحة عظيمة تمر بالبشرية هي جائحة كورونا.
لقد كان للمرأة في هذه الجائحة دور عظيم في التخفيف من آثارها وفي حماية المجتمع وصناعة وعيه، سواء كانت طبيبة في الخطوط الأمامية للمعركة أو في البيت تحافظ على أبنائها وأسرتها من خطر العدوى، أو مارست في الجائحة دور المعلمة بشكل كامل أو جزئي فيما أطفالها يتلقون دروسهم «عن بعُد»، ولا يمكن أن ننسى مئات النساء تطوعن في أماكن لتقديم الدعم والحماية من شر الجائحة.
لا يمكن أن ننسى دور الطبيبات وقد اعتزلن أسرهن من أجل أن يقدمن دورًا وطنيًا وإنسانيًا أسند إليهن في خطوط الدفاع الأولى ضد الوباء، وكذلك فعلت الممرضات/ ملائكة الرحمة وهن في مواجهة الوباء وجهًا لوجه.. مضى عام كامل وهن صامدات ومؤمنات بدورهن رغم كل ما صاحب المواجهة من آثار نفسية ومن إصابات أحيانًا وآلام على الدوام: آلام من فراق واعتزال أسرهن في الكثير من الأوقات وآلام بعد رحيل مرضاهن جراء الوباء.
لكل هؤلاء النساء يقول المجتمع شكرًا، ولكل هذه التضحيات يقول المجتمع ألف شكر للمرأة العمانية لا في يوم يحتفى فيه بها ولكن في كل الأوقات وفي كل اللحظات فهن اللحظة التي نعيش وهن اللحظة التي نترقب وهن الفرحة التي نرنو لها على الدوام.