مدينة طبية من أجل صحة الإنسان والاقتصاد

د. عبدالملك بن عبدالله الهنائي*

الخدمات الصحية حق إنساني وتحسينها يجب أن يكون هدفا دائما في السياسات والخطط التنموية للدول، ولا بد أن تسخّر لها الموارد اللازمة بشكل متزايد سنة بعد أخرى وذلك لتزايد الحاجة إليها مع تقدم أعمار الناس وتزايد الأمراض وتطور الأدوية ووسائل العلاج.
وفي إطار السعي لتحسين الخدمات الطبية وزيادة كفاءة الموارد المتاحة أو لاستقطاب استثمارات من القطاع الخاص تقوم بعض الدول بإنشاء مدن طبية يتم فيها توسيع وتحسين الخدمات المقدمة وخلق بيئة جاذبة للعلاج وللاستثمار في آنٍ معا.
قبل حوالي عشر سنوات تم اتخاذ أولى الخطوات لإنشاء مدينة طبية بعمان، وكان الهدف من إنشائها رفع كفاءة النظام الصحي وتوسيعه، وكان التصور المقدم في حينها أن المدينة ستضم إلى جانب المشروعات التي ستقيمها الحكومة وفيها مشروعات أخرى يقيمها القطاع الخاص، وأن المدينة ستخلق آلاف فرص العمل للعمانيين وغيرهم من الكفاءات، وستدمج بعض التخصصات والمؤسسات القائمة بما يحسن من الكفاءة والتخصص. ورغم أن المشروع توارى عن الأسماع والأنظار في السنوات الأخيرة، لكن الحاجة إليه أصبحت أكثر إلحاحا وذلك لسببين: السبب الأول هو الحد من اضطرار الآلاف من العمانيين إلى السفر إلى الخارج للعلاج و بذلهم الكثير من العناء والجهد والمال في سبيل الحصول على دواء أو علاج لأهلهم وأحبتهم، والسبب الثاني هو الحاجة إلى الاستثمار في مشروع وطني يخدم التنمية بشقيها الاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل وينعش الاقتصاد ويحفزه على المدى القصير والمتوسط، وذلك من خلال حشد الموارد المحلية من القطاع الخاص والصناديق الوطنية واستقطاب رؤوس الأموال والتقانة من الخارج.
العدد الأخير من «الكتاب الإحصائي السنوي» وهو عن عام 2019، يعطي بعض المؤشرات عن القطاع الصحي في السلطنة، فمثلا يلاحظ أن عدد الأسرّة في المستشفيات في عام 2019 كان 15 سريرا لكل 10 آلاف من السكان منخفضا من 17.8 في عام 2010، بينما زاد عدد الأطباء من 18.1 طبيب في عام 2010 إلى 20.8 طبيب لكل 10 آلاف من السكان. وفي جانب المصروفات يلاحظ أن المصروفات الجارية لوزارة الصحة زادت من 341.5 مليون ريال عماني إلى 728.8 مليون ريال عماني خلال الفترة نفسها، أما المصروفات الاستثمارية فقد انخفضت من 56.9 مليون ريال عماني إلى 23.7 مليون ريال عماني، أي أن نسبة مجموع مصروفات وزارة الصحة إلى مجموع الإنفاق الإجمالي للحكومة زادت قليلا عما كانت عليه، وذلك من 5% في عام 2010 إلى 5.7% في عام 2019.
لا تتوفر إحصاءات دقيقة عن أعداد العمانيين الذين يسافرون إلى الخارج للعلاج ولا عن تكاليف علاجهم، سواء كان ذلك عن طريق الحكومة أو على حسابهم وحساب عائلاتهم، والكثير منهم يتوجه إلى دول معروفة، مثل تايلند والهند وإيران وألمانيا، وهناك من يقدر عددهم بحوالي 100 ألف مريض سنويا. ومع أنه من الصعب التحقق من تلك الأرقام، فإنه مما لا شك فيه أن العلاج في الخارج يستنزف الكثير من مداخيل الأسر والاقتصاد الوطني. هذا إلى جانب العناء الشديد الذي يتحمله المريض وأسرته، وتكون معاناتهم أشد في حالات المرض المدنف أو وفاة المريض خارج الوطن واضطرار أسرته إلى العودة بهِ جثة.
من المؤكد أن كثيرا من تلك الأمراض يمكن علاجها في مستشفيات السلطنة، إلا أن طول فترة الانتظار للحصول على مواعيد في المستشفيات الحكومية تجعل من الصعب على المريض وعائلته الانتظار، إذْ إن راحة المريض وشفاءه مسألة وقت، فإما الشفاء والراحة وإما الألم والموت. لذلك أصبح من المهم إعطاء أولوية أكبر لقطاع الصحة وتسخير الموارد اللازمة لتوسيع خدماته وتطويرها. إن إحياء مشروع المدينة الطبية المشار إليها أعلاه أمر يستحق الاهتمام، بحيث تكون مدينة تقدم أرقى العلاج لكل الناس مجانا، على اعتبار أن ذلك حق إنساني، وتقدم إلى جانب العلاج خدمات أخرى، مثل الغرف الخاصة أو غيرها من خدمات الراحة، لكن على المريض أو أهله دفع تكاليفها.
لا شك إن مشروعا كهذا هو من المشروعات الوطنية التي لها آثار إيجابية على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي. فهو من الناحية الاجتماعية يخدم كل فئات المجتمع دون تمييز، ويحسن من مؤشرات التنمية البشرية بما يقدمه من خدمات طبية متقدمة، كما أنه يمكن أن يجعل عمان مركزا إقليميا لتقديم الخدمات الطبية وقِبلة يؤمها الناس للعلاج والاستشفاء، خاصة من البلدان العربية والأفريقية التي تفتقر جميعها إلى خدمات طبية متقدمة. وفي الجانب الاقتصادي فإن لإنشاء مدينة طبية فوائد كبيرة، سواء من ناحية الحد من تحويلات المواطنين لمبالغ كبيرة للعلاج في الخارج أو من ناحية استقدام أموال من الخارج للعلاج أو غيره، إضافة إلى المساعدة في خلق فرص عمل كثيرة للعمانيين في تخصصات دقيقة ومهمة كالطب التخصصي والمهن الطبية المساندة، وكذلك استقطاب كفاءات عالية من الخارج في تلك التخصصات.
ولجعل عمان مركزا طبيا إقليميا يمكن الاستفادة من خبرات بلدان مثل الهند، أو تايلند التي تطور اقتصادها من اقتصاد يعتمد على السياحة الرخيصة إلى اقتصاد أصبح القطاع الصحي مكونا رئيسا فيه، وكذلك الاستفادة من خبرات إيران التي بنت نفسها منذ سنين كمركز إقليمي لطب العيون، ولا تزال كذلك رغم الضغوط السياسية والاقتصادية عليها.
أما من ناحية أثر هذا المشروع على النمو الاقتصادي أثناء فترة تنفيذه فلا شك أنه سيكون كبيرا، ولا يبدو أن تمويل إنشائه سيكون صعبا، خاصة إذا كان سيتم بالشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص. فإذا كانت تكلفة المشروع مليار ريال عماني، كما كان مقدرا له سابقا، ويستغرق تنفيذه من ثلاث إلى خمس سنوات، فليس من الصعب على الحكومة تدبير حوالي 500 مليون ريال عماني منها، وأن يدبر القطاع الخاص المحلي ومستثمرون من الخارج مثلها على مدى فترة تنفيذ المشروع، خاصة إذا تمت تهيئة المناخ المناسب للاستثمار في المشروع والترويج له بصورة جيدة. أما المصاريف التشغيلية للمدينة فيمكن تدبيرها مما توفره الحكومة لها سنويا من الميزانية العامة ومن وقفٍ يتم إنشاؤه لها وكذلك من الرسوم التي يدفعها غير المواطنين للعلاج، علاوة على الإيراد من بعض الخدمات غير المجانية في المدينة.
ومما لا شك فيه أن تنفيذ المشروع سينعش مباشرة عدة قطاعات مثل قطاع النقل وقطاع التجارة وقطاع البنوك والتمويل وقطاع التأمين، إضافة إلى خلق المئات بل الآلاف من فرص العمل أثناء فترة التنفيذ وبعدها، كما أنه سينعش المناطق المحيطة بالمدينة أثناء التنفيذ وبعده.
من المهم أن تقام المدينة الطبية المقترحة في موقع فيه تركز سكاني وخدمات ومؤسسات يمكن أن تتكامل مع بعضها وذلك لزيادة كفاءة الموارد المتاحة، ولذلك فإن محافظة مسقط هي المكان الأنسب لها، وهناك أكثر من موقع مناسب، مثل المناطق الواقعة على البحر جنوب شرق مسقط.
ربما يرى البعض إن الأوضاع الاقتصادية غير مناسبة لمشروع مثل هذا، لأنه مكلف وليس له عوائد مالية مباشرة. لكن الصحيح أنه بالإضافة إلى الحاجة الإنسانية والتنموية لهذا المشروع فإن الاقتصاد في الوقت الحاضر بحاجة ملحة إلى مشروعات كبيرة، محفزة للنمو ومولدة لفرص العمل، علما أن هناك مؤسسات عالمية كبرى أبدت في السابق رغبة في الاستثمار في القطاع الصحي في عمان.

** باحث في الاقتصاد السياسي وقضايا التنمية.