رؤية الفلسطينيين في إسرائيل: جدلية الذات والآخر المسيطر

د.صلاح أبونار –

ما هي الملامح الأساسية للرؤية السياسية لفلسطينيي إسرائيل؟ بصورة أكثر تحديدا: كيف يرون جوانب وجودهم داخل المجتمع والنظام الإسرائيليين وعلاقاتهم بحركة التحرر الوطني الفلسطيني؟ وما هي عناصر الوحدة والصراع التي يمكننا رصدها داخلها؟ وما هو نمط التوازن بينهما؟ سنحاول في هذه المقالة تقديم إجابة على درجة من التكامل، عبر تحليل المادة الواسعة والدقيقة التي نجدها في «مؤشر العلاقات العربية – اليهودية»، الذي يشرف عليها السسيولوجي الإسرائيلي البارز الدكتور سامي سموحة، في نسخته الصادرة عام 2017.
يعمل سموحة أستاذا لعلم الاجتماع بجامعة حيفا الإسرائيلية البارزة، وتتركز أبحاثه حول العلاقات الإثنية في المجتمعات عميقة الانقسام وبالتحديد إسرائيل، وما يدعوه «الديمقراطية الإثنية» عبر نموذجها الإسرائيلي. ونفترض أن أصوله اليهودية العراقية أهلته للتعامل الكفء والحساس والصبور، لتلك القضية التي يتوفر على دراستها منذ أكثر من 45 عاما. و«المؤشر» عبارة عن استطلاع للرأي العام يطرح أسئلة على عينتين فلسطينية ويهودية متوسطتي الحجم، ومنذ 1976 صدرت منه 60 نسخة متتالية. وسنجد ترجمة إنجليزية لنسخة 2017 على موقع سموحة العلمي التابع لجامعة حيفا، ومن المحتمل أن تكون النسخة الأخيرة ويحتمل أيضا وجود نسخ أو نسخة أحدث لكنها لم تترجم للإنجليزية.
صدر استطلاع 2017 في 266 صفحة عن جامعة حيفا عام 2018، تحت عنوان:«ملتزمون بقواعد المباراة: مؤشر العلاقات العربية – اليهودية في إسرائيل 2017». ويحتوي على تحليل مستفيض لإجابات العينتين على أسئلة ينتظمها 16 محورا، بمعدل 200 سؤال للعينة الفلسطينية و125 سؤالا للعينة اليهودية، منها أسئلة خاصة بكل جانب وأخرى وجهت للجانبين موحدة النص والترتيب، ثم ملحق بنص كل الأسئلة وإجاباتها في صورتها الأصلية.
في وجهه الأول تخبرنا إجابات الفلسطينيين أنهم يعون علاقاتهم بالدولة الإسرائيلية كعلاقة تناقض تحمل معها صراعا وسيطرة واغترابا. يبدو هذا في مسألة وعي الهوية. في استطلاع 2017 قال 13,9% فقط من الفلسطينيين أن «المواطنة الإسرائيلية» أكثر انتماءاتهم أهمية، مقابل 45,7% منحوها «للانتماء الفلسطيني». وعندما طرح الاستطلاع خيارات مركبة، حظي خيار عربي فلسطيني في إسرائيل بأعلى تأييد 31،6%، بينما حقق خيار إسرائيلي 4,4 % وخيار فلسطيني إسرائيلي 2,6%. ويظهر هذا الانتماء الهوياتي نفسه في المؤشرات الدالة على الذاكرة التاريخية.
في 2015 قال 86,4% أن ذكرى النكبة تحتل موقعا مركزيا في شعورهم بالهوية كفلسطينيين. وفي 2017 قال 44,7% إنهم سبق لهم المشاركة في فعاليات يوم الأرض، و39,3% في فعاليات يوم النكبة. وبالتوازي مع وعي الهوية هناك وعي الآخر كما تظهره الرؤية للحركة الصهيونية. في 2015 قال77,1% إن الصهيونية حركة استعمارية عنصرية، وفي 2011 قال 77,5% إن اليهود مستوطنون أجانب نهبوا أرض العرب، وفي 2017 قال 58,4% إن اليهود لا ينتمون للمنطقة ومحكوم عليهم بالزوال وستعود الأرض لأهلها.
ولا تنحصر علاقة التناقض بما تحمله من صراع واغتراب في مجال الوعي، فالدولة الإسرائيلية تمارس تجاه العرب عمليات إقصاء تعمق التناقض وتكسبه بنيته التحتية. ويبدو هذا في رؤية الفلسطينيين لعلاقتهم بالدولة. في 2017 قال 4,9% فقط أنها تعاملهم كمواطنين متساوين، وقال28,7% أنها تعاملهم كمواطنين متساوين متمايزين، وبالتالي تكون نسبة القائلين بالمساواة 33,6 %. بينما قال 40,3% أنها تعاملهم كطبقة ثانية من المواطنين، و25,4% أنها تعاملهم كأعداء لا يستحقون المساواة، وبالتالي تكون نسبة القائلين بعدم المساواة 65,7%. وتولد عن تلك الرؤية لسياسات للدولة مزيجا من الخوف وعدم الثقة.
في استطلاع 2017 عبر 73,5% عن خوفه من الانتهاك الحاد لحقوقهم، و 77,7% عن خوفه من المصادرة الجماعية للأراضي، و63,3% عن خوفه من إلحاق المثلث العربي بدولة فلسطينية دون رغبة أهله، و62,6% عن خوفه من طرد جماعي للفلسطينيين.
وفي نفس الاستطلاع أظهروا قدرا عاليا من عدم الثقة في مؤسسات الدولة المركزية. أظهر 63,6% عدم ثقته في الحكومات المحلية، و59,45 % في الشرطة، و62,6% في الكنيست، و68% في الحكومة المركزية. وإذا كان القضاء حظي بأدنى درجات الثقة 40,6%، فهذه النسبة كارثة بالنسبة لمؤسسة وظيفتها حماية القانون.
ويشمل التناقض بما يصحبه من إقصاء علاقات الفلسطينيين مع المواطنين اليهود، ولكن المؤشرات هنا أقل قوة وتواترا بمراحل من مؤشرات إقصاء الدولة. في 2017 صرح 54,7% أنهم واجهوا معاملات تمييزية من جانب الأفراد اليهود، وقال 49,6% انهم يشعرون كمواطنين إسرائيليين أنهم مرفوضون وغرباء. وفي 2017 ذكر 49.1% انه لا يستطيع أن يثق في يهودي، وفي 2012 قال 47,2% أنه لا أصدقاء لهم ضمن اليهود. وفي استطلاع 2017 أظهر الفلسطينيون قدرا عاليا من الآراء السلبية في أقرانهم اليهود. قال 38,8% إن اليهود مهيئون لممارسة العنف، و50,6% أنهم عنصريون، و45,8% أنهم محتالون.
وفي وجهها الثاني تخبرنا إجابات الفلسطينيين أنهم يعون علاقاتهم بالدولة الإسرائيلية كعلاقة تكامل تحمل بطبيعتها تقاربا وتعاونا. ما هي مكونات هذا الوعي الآخر؟ بالتناقض مع الوعي التاريخي للذات وللحركة الصهيونية بتجلياته التحررية، يظهر وعي فلسطيني آخر سياسي واقعي وبراجماتي. في 2017 وافق 54,3% من العينة العربية على أن اليهود مثل العرب لهم حقوق تاريخية وقومية تجاه الأرض، ووافق 58,4% على أن إسرائيل لها الحق في الوجود كدولة مستقلة يعيش فيها اليهود والعرب معا، وقال 63,6% أنه من الجيد أن يعيش اليهود والفلسطينيون معا وعلى الدوام في إسرائيل. ولكن لا يعني ذلك إقرار الفلسطينيين بشرعية إقصاء الدولة لهم، ولا بالآليات السياسية التي تسمح به. وهو ما نجده في تعبير 68% عن قناعتهم بإمكانية نفي الإقصاء، عبر توظيف آلياتها الديمقراطية كإطار للعمل السياسي وليس عبر نفي الدولة ذاتها. وسوف يجد هذا الوجه المقر بشرعية الوجود الإسرائيلي مصدرا للقوة في التردي العميق للمحيط العربي. في 2017 قال 55,8% إنهم يشعرون بميزة الحياة في إسرائيل، عندما يرصدون الاضطرابات التي اجتاحت العالم العربي بعد الربيع العربي. وقال 63,9% أن إسرائيل يجب أن تندمج في العالم الغربي، وتحافظ فقط على العلاقات الضرورية مع العالم العربي. وفيما بين استطلاعي 2003 و2017 شهد موقف الفلسطينيين في إسرائيل تغيرات عميقة فيما يخص تسوية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. انخفضت موافقتهم على حل الدولتين من 88,8% إلى 63,6%، وعلى الموافقة على العودة لحدود 1967 من 82% إلى 56,1%، ومن تقسيم القدس إلى مدينتين مستقلتين من61% إلى 39,9%. كيف نفهم هذا التراجع؟ الأرجح انه امتداد لتوطيد تلك الروح البراجماتية.
وسوف نجد تجليات واضحة لعلاقة التكامل في المجال المدني. وسيبدو ذلك في الإشارات لتطور العلاقات الإنسانية بين الجانبين. فيما بين استطلاعي 2008 و2017 ارتفعت نسبة من قالوا انهم تلقوا مساعدات من يهود من 46,6% إلى 60%.، وانهم قضوا أوقاتا طيبة مع أصدقاء يهود من 44,2% إلى 73%. ولكن التطور الأهم يرتبط بقوة الرغبة في الدفع المستقبلي بالعلاقات. في 2015 قال 51,8% من الفلسطينيين أنهم يرغبون أن يعيش العرب في الأحياء اليهودية، وأظهر 52,7% من اليهود نفس الرغبة. وفي 2017 قال 51,5% من الفلسطينيين أنهم يرغبون أن يدرس الفلسطينيون في المدارس اليهودية العليا، وأيد 50% من اليهود الرغبة ذاتها. وفي 2017 وافق 53,2% من الفلسطينيين على انه لدى اليهود قيم كثيرة طيبة يتعين عليهم تبنيها، وقال 34,3% من اليهود الأمر نفسه عن القيم الفلسطينية. ووافق 61,25% من الفلسطينيين و56% من اليهود، على ضرورة البحث المشترك عن قيم وممارسات جديدة مشتركة إلى جوار قيمهما الخاصة.
يدفعنا تأمل التناقض السابق لطرح عدة ملاحظات. تفيد الأولى أن أصل التناقض موجود في الوعي نفسه، وليس في تمايز مفترض داخل القواعد الاجتماعية، بين اتجاه راديكالي وآخر مهادن. أنه تناقض بين نزعة جذرية تركز على الحقوق التاريخية والتحرر الوطني، وأخرى سياسية تعتصم بنوع من الواقعية والبراجماتية في ظل تغيرات حادة في موازين القوى وإحباطات متواصلة وتراجع الدعم والمناصرة. ويمكن لأي منهما أن ينفصل بقاعدته الاجتماعية الخاصة، ولكن يمكنهما معا أن يتواجدا ويتعايشا داخل القاعدة الواحدة. وتفيد الثانية أنهما ليسا على درجة واحدة من القوة، فعندما نتأمل النسب المئوية لعناصرهما الأساسية سنجدها حادة التفاوت. قال 77,5% إن اليهود مستوطنون أجانب نهبوا أرض العرب، بينما قال 54,3% فقط أن لليهود حقوقا قومية وتاريخية تجاه الأرض. وعندما نراجع رصد المؤشرات الدالة على وجهي العلاقات، سنجدها متواترة وكثيفة وقوية في حالة علاقة التناقض والإقصاء، بينما لا تزال العلاقة الثانية في بداياتها وتعبر عن فشل رهانات الخيارات الراديكالية والتردي العربي العام، أكثر من تعبيرها عن وعود حقيقية يقدمها الواقع وإمكانيات فعلية لنجاح رهاناتها الجديدة. وتفيد الثالثة أن التاريخ يخبرنا أنه لا شيء فيما ندعوه الحقائق التاريخية الثابتة، يضمن لها بشكل حاسم البقاء التاريخي. الحقائق التاريخية الكبرى أسهم في صنعها رجال براجماتيون عمليون، بقدر ما ساهم في تشكيلها شخصيات رسالية قادرة على تخطي ضيق الواقع وماديته، والخلاصة أن براجماتية اليوم يمكن أن تصبح حقائق الغد التاريخية الراسخة. ولكن نفس الخبرة تخبرنا أن النزعات العملية والبراجماتية، لا تنجح بالضرورة وتترسخ لمجرد كونها عملية وبراجماتية، وربما كان حجم الكوارث التي يصنعها البراجماتيون أضعاف كوارث المثاليين والرساليين.