نونيّة أبي مُسلم البهلاني

أحمد بن عبدالله الفلاحي –

تمثل القافية في صلب قصيدتنا العربية الملمح الأكبر الذي يمنحها خصوصيتها وشخصيتها، حتى عدت القصيدة هي القافية، والقافية هي القصيدة. ومن ذلك قول قائلهم متحدثا عن آخر: “إذا ما قال قافية هجاني” وقصده: إذا قال قصيدة. والأبيات التي يرد فيها ذكر القافية باعتبارها القصيدة كثيرة في الشعر العربي، ذلك أن القافية هي الصوت المجلجل الذي يحرك أوتار القلوب وتتحلى به المسامع.
وانتماء القصيدة إلى قافيتها كانتماء الإنسان إلى أسرته مرتبطة به ومرتبط بها إلى ما لا نهاية. نقول ميمية زهير ولامية امرئ القيس ونونية ابن كلثوم ويائية المتنبي ودالية المعري وبائية أبي تمام وسينية البحتري وهمزية البوصيري وقافية شوقي وهكذا. كما نقول ميمية عنترة فنعلم أنها غير ميمية لبيد وغير ميمية الحطيئة وغير ميمية المتنبي، ونقول نونية جرير أو نونية البستي أو نونية شوقي أو نونية أبي مسلم، فيدرك السامع من فوره أي نونية نريد وينزل على ثغره فورا بيت المطلع منها، وتتبادر إليه صور ومشاهد أبياتها أولا بأول.
وفي عُمان عندما تقول “نونية” يعرف الكل أنك تشير إلى نونية أبي مسلم “نونية ابن عديّم” كما يجري لفظها على اللسان الشعبي. وهي نونية يعرفها الجميع، الخاص والعام، والمتعلم والأمي. وتنشد في الأماسي وجلسات السمر، فيطرب لها الحضور وينفعلون بها وتتقد عواطفهم لسماعها فهي ملحمة أهل عمان في عصرها، تمجد عمانهم وتبرز عظمتها في سجل الدهر. محرضة إياهم على اقتفاء أسلافهم وإعادة أمجادهم وتوحيد صفوتهم و”استدراك فائتهم”، تسكب في أعماقهم الإثارة والنخوة، وتحرك عواطفهم وتهز انفعالاتهم المسترخية، وتستفز مكامن النفوس ودواخل الأحاسيس، فتلتهب المشاعر فوارة متدفقة.
قصيدة هي قصيدة الوطن كله. لا يوجد بيت في عمان إلا وبداخله نسخة أو أكثر منها – ذلك على الأقل ما أذكره إبان نشأتي الأولى – يُقرئها الأب لأبنائه كما يُقرئهم سور القرآن. وتدفع الأمهات بأبنائهن لحفظها واستظهار أبياتها باعتبار ذلك من الواجبات التي لا ينبغي الإخلال بها والتفريط فيها.
“النونية” تذكر فتضطرب النفوس، وتنشد فيتبادر الناس إلى الإصغاء، ويرتفع الصوت الجميل منغما الأبيات فتتسارع دقات القلوب وترهف الآذان، ويسود الصمت والهدوء:
حتّام يا دهر لا تبقي على بشر
حر وحتّام ضيم الحر إحسان
أكل رأيك حربي؟ أم لها أمد
فإن عهدي وللحالات ألوان
حل العقال واطلقني إلى سعتي
ففي سجونك للميدان فرسان
يا دهر يا باخس الأحرار حقهم
اعط العدالة إن الله ديّان
فيم التقصي بأهل الفضل إن نقصت
حسناك زادوا وإن شان الورى زانوا


نونية أبي مسلم تذكر فتنتبه الحواس العمانية في كل اتجاه، وتصيخ الآذان سمعها لالتقاط صوت المنشد يعلو وينخفض مطربا في إنشاده لكأنه يرتل نشيدا من الأناشيد المقدسة في لحظة إخلاص وإيمان. “النونية” كلمة تخرج من شفة ما فيخفق قلب السامع وتنهمر شلالات من العواطف الساكنة في برزخ الأعماق يصعب توصيفها أو تحديد نوعيتها، سوى أنها المشاعر الصادقة التي لا لون لها ولا صفة تحس وتستشعر ولا تلمس ولا ترى. “النونية”، وما أدراك ما “النونية”، حين تشدو بها أصوات المنشدين العذبة في ليالي السمر تحت أضواء النجوم مصحوبة بهسهسات سعف النخيل حركتها نسمات “الكوس” في قرية تتدثر برداء ليلها على حضن جبل يبث فيها الطمأنينة والأمان. “نونية” أبي مسلم وتنجذب النفوس انقيادا ورغبة. “نونية” أبي مسلم، ويجري الزمن كله سائلا رقراقا مثل الوادي جاء بعد هطلة مطر غزيرة. “نونية” أبي مسلم ويتحرك المكان بجباله ورماله ووديانه وبنيانه وإطلاله وبقايا مآثره منفتحا على كل ما في الكون من قريب أو بعيد. أشبه بالمفتاح السري لكل المغاليق السحرية.
“نونية” أبي مسلم تلك التي يمم شطرها الشعراء مفتونين بفنها وعبقريتها الشعرية، يرومون محاكاتها ويبتغون النسج على منوالها فما قدروا وما استطاعوا وأعجزهم منها بيانها الرفيع وبنيانها العالي أن يدنوا منها أو يقتربوا من سفوحها، فضلا عن الصعود لذرى عليائها. “نونية” أبي مسلم، تلك الدفقة القوية الهائلة التي جاءت كما زفرتها الموهبة من غير صناعة أو تزويق أو تلوين.
قصيدة هي ملحمة ناظرت نونية عمرو بن كلثوم عند بني تغلب لولا أن تلك لقبيلة واحدة وهذه لوطن بأكمله. نقول “النونية” فيدرك العماني أيا كان مستواه الثقافي أي نونية نعني.. و”النونية” لم تسحر العمانيين وحدهم فقط بل كل من اطلع عليها أسرته شاعريتها وقوة بلاغتها.
فالشيخ مبارك العقيلي العالم والأديب الاحسائي المقيم في دبي بساحل عمان آنذاك بهرته فطفق يرددها ويشيد بها ويشدو ويوزع نسخها على كل من يعرف من أدباء وعلماء نجد واليمن والحجاز ومدن الخليج. وقد عاش هذا الشيخ برهة من الزمن في مسقط موظفا عند السلطان تيمور وله فيه قصائد مدح متعددة. والشيخ عبدالعزيز الرشيد، أديب الكويت ومؤرخها، لم يقدر حين رآها منع نفسه من الافتتان بها والخضوع لسلطانها والوقوع في غرامها وهواها فسارع بنشرها في مجلته “الكويت” على عدة حلقات، مما جعل أثرها يتسع ويتضاعف لدى قراء تلك المجلة والمتابعين لها في ذلك الوقت.
والشاعر النجدي ابن عثيمين لم يستطع كذلك الإفلات من سطوتها والنجاة من تأثيرها العارم فجاءت قصيدته في مدح ابن سعود محاكاة لها حد التطابق ليس في الوزن والقافية والمعاني والسياق فحسب بل حتى في الألفاظ والكلمات والجمل والصور في بعض أبياتها حيث لم يتغير سوى المقصد في المدح من الإمام سالم بن راشد الخروصي إلى الملك عبد العزيز.
أي قصيدة هذه التي يمتد نفوذها كل هذا الامتداد؟ وتنتشر سحائبها كل هذا الانتشار؟ أي جملة شعرية تلك التي احتوتها؟ وأي معان عميقة تلك التي اشتملت عليها. وأي بيان تردد في جنباتها وانبثق من حناياها ليسكن أعماق النفوس ويصبح مهوى الأفئدة. إنها “النونية”، نونية أبي مسلم تلك التي أذهلت ألباب من سبقونا، وحركت أحاسيسهم، وحملتهم نحو السماوات البعيدة صعودا إلى الأعالي وهي تفعل فينا كما فعلت في السابقين من آبائنا وأجدادنا تذوقا والتذاذا وإحساسا بالمتعة والنشوة والأريحية. وبالسمو والانطلاق والانعتاق في الروح الشفافة الخالصة. إنها ما تزال تؤدي رسالتها وتفيض بأنوارها وتمد التماعات ضوئها ووهجها. وتلك ميزة الشعر القوي الصادق الذي لا يغير فيه الزمان ولا يحيط به المكان. وإنما يظل خالدا تستمر إشعاعاته على الدوام. فـ”النونية” ما يزال التهاب أنوارها مهيمنا. وما تزال أطيارها ترفرف من فوق سعفات النخيل العالية وعلى ضفاف الأودية السائرة متحدرة في مياه الأفلاج وحقول الزرع خصبا وماء بين قرى الريف البسيطة الهادئة أو تحت ظلال جدران المدن العتيقة أو عبر البوادي النائية في سهولها المترامية.
هذه القصيدة/ الملحمة ما برح رنينها يُسمع وصداها يصخب في أعالي الذرى من جبالنا الشامخة حتى بواطن الأودية وقيعانها يعم القريات المتناثرة في السفوح والقمم.. الكل يصغي لصوت “النونية” إن جاء والكل ينفعل بكلماتها إن سمعت. تنساب أبياتها فيتجدد الشجن وتتنامى العواطف وتهب القلوب من رقدتها ويبرز العزم والجد وتتنزل السكينة على المكان والإنسان.
أي شعر ذاك؟ أي كلمات تلك؟ أية قصيدة هذه التي تبحر بالناس عبر كل الأزمنة والعصور والأجيال؟
لم يكن التسجيل قد اخترع بعد حين ظهرت “النونية” في عمان يسوقها الشوق من زنجبار حيث قضى الشاعر جل حياته. بل كانت الحناجر فقط بصوتها الطبيعي هي التي تبثها للسامعين وقتها. وللعمانيين طريقتهم المعلومة والمميزة في إنشاد الشعر. وأحسبها من بقايا طرائق العرب الأقدمين حين يتغنون بشعرهم وتصدح ألسنتهم بأوزانه وقوافيه مرددا في نغم يطرب الأذن. أما اليوم فإن الآلات الحديثة هي التي أصبحت وأضحت وغدت وأمست تهتف بأبيات “النونية”. صدى “النونية” يرافقك في السيارة ويطربك في البيت رافعا عقيرته بأصوات المنشدين العذبة يترنمون بأبياتها كأحسن ما يكون الترنم.
هكذا هي “النونية” تواصل انتشارها وتمددها. لا يكاد بيت في عمان يخلو منها. مخطوطة بخط النسخ الجميل أو مطبوعة بحروف المطبعة البارونية المشابهة في شكلها لخط المصاحف القرآنية رونقا وجمالا.
ذاك فيما مضى أما في حاضرنا فهي في آلة التسجيل ترافق العمانيين أينما وجدوا في حل ومرتحل تصرخ بهم وتناديهم:
يا للقبائل يا أهل الحفاظ ومن
أمجادهم في جبين الدهر عنوان