آثار جائحة كورونا على المجتمع

زاهر بن حارث المحروقي –

شغلت جائحة كورونا الناس في قارات الأرض قاطبة، وركزت وسائل الإعلام العالمية في تغطيتها للجائحة على الجانب الرسمي وكيفية تعامل الحكومات مع الوباء، ولم يُلتفت إلى كيفية تعامل الناس معه، رغم أنه أثّر على حياتهم وغيّر من أنماط معيشتهم، وترك بصماته المؤلمة في كلِّ مكان، بعد أن أودى حتى الآن بحياة أكثر من مليونين وستمائة ألف إنسان.
وإذا كان فيروس كورونا قد ترك بصماته على مجتمعات العالم المختلفة، – كما أشرت – فإنّه قد فعل ذلك أيضًا مع المجتمع العماني. ولا يمكن أن تكون تلك البصمات كلها سلبية، فهناك بعض الإيجابيات التي تحققت بسبب كورونا، وربما كانت الإيجابية الأبرز اجتماعيا هي ابتعاد الناس – قسرًا – عن مظاهر الإسراف والتبذير في المناسبات، وهي ظاهرة لم تكن موجودة أصلا في زماننا القديم، إلا أنّ تغيّر أنماط المجتمع، أدّى بالناس إلى التخلّي عن البساطة والذهاب إلى التكلف في كلّ شيء، سواء في «العزومات» العادية أو في المناسبات كالأعياد والأفراح و«المِلْكات»، ومما يؤسف له أنّ جيل الشباب يقترض في مستهل حياته الزوجية لكي يدفع تكاليف العرس والزواج، فيظل رهينة للبنوك وشركات التمويل مدى حياته، ينتقل من قرض إلى آخر. ولطالما رأينا كثيرين يتفاخرون بعدد المدعوين وبما أسرفوا في تلك الحفلات؛ والأمَرّ من ذلك أنّ هذا السَرَف كان يحدث حتى في مجالس العزاء. وما شاهدناه كثيرًا في مجالس «المِلْكات» يندى له الجبين، فغالبًا ما يكون مصير الأكل الزائد والمتبقي إلى صناديق القمامة.
نجح المجتمع العماني في تطبيق مفهوم جديد عليه، هو «التباعد الاجتماعي»، بعد أن اختفت من قاموسه اليومي مظاهر الاحتفالات الاجتماعية التي كانت تكلف الكثير. وما أكدَتْه تجربة كورونا هو أنّ العماني باستطاعته توفير الكثير من الجهد والمال، وأنّ معظم المشاوير التي يتجشّمها وما يرافقها من إنفاق يستطيع الاستغناء عنه ببساطة، لأنّه لا يعدو أن يكون من كماليات الحياة. فقد مرّ على الناس شهر رمضان من العام الماضي وكذلك عيدان، ولم يبْدُ أنّ الناس خسِرتْ أيّ شيء. ويستطيع المرء أن يحسب كم وفّر من المال بدل البنزين، بسبب تخفيض عدد العاملين، ومن اضطرته الظروف للدوام، يستطيع أن يرى الفرق بين زحمة المرور في الشوارع قبل وبعد كورونا. ولا يمكن أن نغفل أنّ حوادث السيارات قلت كثيرًا إلى الدرجة التي نستطيع أن نقول عنها إنها كادت تختفي.
ولكن ما مدى تأثير ذلك على المجتمع مستقبلا؟! لا شك أنّ المجتمع العماني قد تغيّر وأخذ دروسًا وعبرًا من الوباء، وقد لا يعود إلى ما كان عليه من قبل، ويبدو أنّ كثيرًا من العادات التي اعتادها الناس قد تختفي بعد كورونا، وقد يطبِّقون ثقافة أخرى جديدة، بعد الدروس المستفادة من الوباء، منها التقليل من الإنفاق في المناسبات الاجتماعية – وهو مطلبٌ ضروري الآن بسبب ظروف الناس – وتطبيقُ التباعد الاجتماعي، والتركيزُ على الأهم بدلا من الأقل أهمية. ويكفي أنّ هناك من عجّل في الزواج حتى يبتعد عن المصاريف ويبتعد عن لوم الناس.
ومن الصور الإيجابية أنّ مرض كورونا أظهر أنه لا فرق بين غنيّ وفقير، فكلاهما انتابه الخوف، وكلاهما ابتعد عن الإسراف في الكماليات. وقد مرّ صيف عام 2020، دون أن يصيّف الأغنياء خارج السلطنة، ولم يستدن الفقراء لقضاء إجازاتهم في الخارج، كما كان يحصل من البعض، ممّا يشير إلى أنّ المجتمع بدأ يتخلى – وإنْ بشكلٍ خجول – عن صفته الاستهلاكية.
ومن الظواهر الإيجابية أن ظهرت في المجتمع العماني، العديد من المبادرات الإنسانية لمساعدة المحتاجين والمتأثرين بسبب الإغلاق التام لبعض الأعمال، وهي صفة امتاز بها الإنسان العماني وقت الأزمات. وكذلك ظهرت الكثير من المبادرات الشبابية في التجارة والتسويق وتوصيل الطلبات إلى المنازل التي كانت مقتصرة في السابق على المأكولات السريعة فقط، أما في فترة الإغلاق فقد نشطت التجارة الإلكترونية وحقق فيها الشباب العماني النجاح.
وهناك نقطة أخرى تتعلق بالعمل الحكومي، فقد أظهرت فترة كورونا أنّ الحكومة العمانية قطعت شوطًا كبيرًا في مجال العمل الإلكتروني، حيث أنجز الموظفون أعمالهم من منازلهم، فكان ذلك توفيرًا للجهد والوقت والمال، ممّا قلل عدد الخطوات في الروتين المطلوب لتنفيذ الأعمال، وقلل من استخدام الورق وتنقل المعاملات بين الموظفين.
وفي رأيي أنّ تجربة التعاملات الإلكترونية في عُمان، خلال جائحة كورونا نجحت، وشمل النجاح البيع الإلكتروني، والمعاملات البنكية من إيداع وسحب وتحويل. ولم تقتصر التجارة الإلكترونية على الأفراد، فالحكومة شاركت أيضًا مشاركة فعالة في البيع الإلكتروني، فشاهدنا عددا من المزادات الإلكترونية لبيع الحيوانات والعسل.
وإذا كان النجاح شمل المجالات الإلكترونية، فإنّ التعليم عن بُعد قد حقق هو الآخر نجاحًا ملحوظًا، رغم ما اعترى العملية التعليمية من عقبات في بداية تطبيق التعليم عن بُعد، إلا أنّ خوف الأهالي قد تلاشى مع مرور الأيام، وستبقى تلك تجربة جديدة يُعتمد عليها مستقبلا.
لا يمكن الحديث عن جائحة كورونا، دون التطرق إلى النجاح الذي حققه جميع العاملين في خطوط الدفاع الأولى لمواجهة الجائحة، وهم الأطباء والطاقم الطبي بأكمله، الذين تفانوا وبذلوا جهودًا جبارة للحفاظ على سلامة وأمان عُمان. ورغم المخاطر التي تعرضوا لها، إلا أنهم قاموا بواجبهم الوطني بكلّ إخلاص وتفان، وقدّموا أفضل الخدمات من خلال التشخيص والعلاج.
وإذا كنتُ تحدثتُ عن الصور الإيجابية للجائحة، فإنه يجدر بي أن أعرج على الآثار السلبية التي تركتْها، وفي مقدمتها بالتأكيد الآثار الاقتصادية، فقد أشارت نتائج استطلاع قام به المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أنّ خُمس من شملهم الاستطلاع تأثروا هم أو أحد أفراد أسرهم اقتصاديًا بشكل أو بآخر، حيث كان تخفيض الأجر أو الراتب هو الأثر الاقتصادي الأبرز للمشتغلين بأجر، بينما كان التوقف عن العمل أو إغلاق المشروع الأثر الأكبر لأصحاب الأعمال أو المشتغلين لحسابهم. وأشارت النتائج أنّ 58% من العمانيين ممن شملهم الاستطلاع ذكروا أنهم تأثروا نفسيًا بشكلٍ سلبي بدرجة كبيرة أو كبيرة جدًا بسبب تطبيق التباعد.
ورغم الآثار السلبية للجائحة رأى نصف العُمانيين الذين شملهم الاستطلاع أنّ هناك تأثيرات إيجابية أبرزها التقارب الأسري نتيجة تطبيق التباعد، ووجود أفراد الأسرة المعيشية معاً لفترات طويلة ونتج عن ذلك ترشيد الاستهلاك وزيادة الادخار والتقرب إلى الله مع زيادة الاهتمام بالدين.
إذا كانت جائحة كورونا قد أضرت الكثيرين في مصدر رزقهم، – وهو أسوأ ما في الجائحة – إلا أنها على المستوى العام قد غيّرت كثيرًا من المفاهيم الاجتماعية التي ستظهر آثارها مستقبلا، وما ظهر منها الآن هو ذلك الهدوء وتلك السكينة والراحة النفسية في الحياة المنزلية بعيدًا عن الضغوط الحياتية اليومية وضغوط الزحمة في الشوارع. وهكذا فإنّ الخير يخرج من بطن الشر، وصدق الله القائل: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.
ولكن ما يهمنا في نهاية هذا التجوال مع الآثار الإيجابية والسلبية للجائحة، هو السؤال الذي يفرض نفسه الآن وبكل قوة: كيف ستكون عُمان بعد الجائحة؟ وماذا استفاد المخططون للسياسات المستقبلية من هذا الوباء؟ وما هي الدروس والعبر التي خرجوا بها؟.