الاغتراب النبوي

خميس بن راشد العدوي –

الاغتراب.. حالة إنسانية عامة، بدأ الحديث عنه منذ القدم؛ وقد وُجِد صداه في الفلسفة والأدب والدين، بيد أن التنظير له جاء متأخراً، في خضم عصر التنوير، ويُعدّ هيجل أول من فتق قِربة الحديث عنه بصورة منهجية، ثم انساح حتى لم يدع فضاءً معرفياً إلا وقد طاله رذاذه، بدايةً.. من الفلسفة والدين والتصوف، مروراً.. بالسياسية والاقتصاد والأدب، وليس انتهاءً.. بعلم النفس وعلم الاجتماع، ومع هذا التوسع في الاستعمال غرّب مفهوم الاغتراب وشرّق، وأصبحت له دلالات، يبلغ بها التناقض أحياناً ألا يجمع بينها جامع، بيد أن كل ذلك يكشف عن حالة إنسانية عميقة، وأن الاغتراب لم يكن ترفاً فكرياً، وإنما هو حالة نفسية، أودع الله قابليتها في الإنسان. وقد تناثر التعبير عنها بين ثنايا تنظيرات الفلسفة وملاحم الأدب ومعتقدات الدين وشطحات التصوف، حتى جاء القرن الثامن عشر الميلادي فاستطاع بثورته العقلية أن يجمّع ذلك الشتات في إطار منهجي، فجعله مادة مرجعية لمن أراد أن يفسّر في هذا الجانب الحالات النفسية التي يمر بها الإنسان، والظواهر الاجتماعية التي يقف عليها.
رغم هذا الانتشار لدراسة ظاهرة الاغتراب، إلا أنني وجدت فراغاً في الدراسة الموضوعية بالنسبة للنبوة، ولسدّ هذا النقص يحاول المقال أن يقدم مدخلاً لما أسميه بـ«الاغتراب النبوي»، بقراءته عند النبي الخاتم، وهو حالة مثالية للدراسة، لأمرين:
– توفر مادة عالية الوثوق لما يهمنا من حياة النبي في القرآن.
– أن النبوات السابقة -كما وردت في القرآن- مُتضمَنة في نبوة النبي محمد، ومنطبعة في نفسه، ومؤثرة على دعوته.
لذلك.. ينبغي أن نركّز في قراءة ظاهرة الاغتراب النبوي على الاستمداد من القرآن؛ لأجل موثوقيته، ولأنه يمثّل النبوة كما عاشها النبي ذاته، بينما لا نجد ذلك في كتب الرواية والسيرة، التي حصل انقطاع زمني طويل حتى تدوينها، ولم يكن التدوين سوى استدعاء ما تناسخته ذاكرة الرواة من أحداث، مع ما صاحبه من ظروف مختلفة؛ كثير منها غير موضوعي للتدوين، فضلاً عمّا لحق الروايات والسيرة من أوهام وأكاذيب وتحريف مقصود وغير مقصود. ومع ذلك.. فلا ينبغي أن نقطع الصلة تماماً مع هذه الأخبار، ليس لكونها تحكي سيرة النبي الأكرم كما هي، وإنما لأنها كتبت بالفهم السائد في عصر التدوين، وهو أقرب عصر للنبوة وصلنا؛ حيث لا يزال حينذاك العقل المدوِّن واقعاً تحت وهج التجربة النبوية، التي لولاها لما كان هذا العقل.
لقد استفدتُ من الدراسات السابقة، وأقترح على القارئ ليُلِمَ بمفهوم الاغتراب أن يرجع إليها، ولذلك.. ألج مباشرة إلى مفهوم الاغتراب كما أراه.
الاغتراب.. بعبارة قريبة: شعور الإنسان بمفارقة ما هو سائد حوله، هذا الشعور قد يدفعه إلى قطيعة المجتمع ومعتقداته، وعدم الانسجام للعيش فيه، فهو حالة نفسية لها أثر اجتماعي، فعندما يغترب الإنسان عن عادات قومه -مثلاً- لا يستطيع التواؤم معها نفسياً، وحتى إذا مارسها اجتماعياً فهو يفعل ذلك مجبراً وبصورة ميكانيكية. إن حالة القطيعة لدى المغترب تثير فيه عادةً الاضطراب الداخلي الممزِق لكيانه، إن لم يهتدِ إلى استثمارها، أو التصالح معها.. على الأقل.
والمعنى بهذا القدر.. تجده في معظم التوجهات التي عالجت ظاهرة الاغتراب، وهو يصيب كثيراً من البشر، فيحبس الإنسان في عالمه المفارق لعالم مَن حوله، وقد يتحوّل إلى حالة سلبية أو إيجابية، بحسب دوافع الإنسان ومقاصده، وحالته النفسية التي تهيمن عليه، والوضع الاجتماعي الذي يعيشه. وربما يصبح الاغتراب عقيدة في نظرية إيديولوجية كما في الماركسية، بل إنني لم أجد نظرية مثلها أقامت عقلها على الاغتراب؛ ليس باستعماله تفسيراً للوضع الإنساني فحسب، وإنما باستغلاله محرضاً للمجتمعات على العنف، وذلك للخلاص من الاغتراب الذي فرضته المجتمعات الإقطاعية والرأسمالية على الشريحة الساحقة من البشر كالفقراء والكادحين والعمال. وكذلك.. فعل سجموند فرويد في تحليله النفسي، حيث فسّر سبب الاغتراب بالهاجس الجنسي المسيطر على الإنسان بحسب نظره، هذه التفسيرات وغيرها التي قامت على «تأثيم» الاغتراب لا تصمد أمام تحليل ظاهرة الاغتراب النبوي، لأنه ليس إيجابياً فحسب، وإنما أحدث قفزة هائلة في مسيرة البشرية.
يقول الله عن نبيه: (وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى)، لا أرى أن النبي وقع في ضلال إيماني أو أخلاقي، لأنه لو كان كذلك لوصمه به خصومه، ولردّ عليهم القرآن، وإنما محمد قبل النبوة شعر بمفارقة باتّة لمعتقدات قومه القائمة على الشرك، ولتصوراتهم في الحياة، إلى حدّ أنه أصبح يشعر بالغربة بينهم، فلم يكن بدايةً يعرف كيف يتواصل مع هذا المجتمع، فهو يعاني بشدة من رفضه لأوضاعه، وأصبح عقله يدور في فلك معرفي بعيداً عن فلك قومه، وقلبه لم يعد ينبض بوجدانهم، كان يشعر بالرغبة العارمة لإحداث تغيير في الحياة، ولكنه حتى تلك اللحظة لم يهتدِ إلى ذلك سبيلاً، فبات «يقلّب وجهه في السماء» بعد أن يأس من الأرض، وغالباً.. أن هذه الحالة دفعته إلى الانعزال خارج مكة، ربما -كما تقول الروايات- في غار حراء، للتأمل في الوجود، ومن يقف وراءه، وإلى أين مآله؟ ولو حصل هذا لغير النبي لأنكفئ على نفسه، أو أصيب بكآبة تسلمه للأمراض النفسية والعقلية، وربما تطور لينتج أفكاراً مدمرة للمجتمع، بيد أن الإعداد الإلهي للنبي -وهو الفارق المميِّز بينه وبين غيره- «هداه» من ذلك الحال الذي سمّاه القرآن «ضلالاً» إلى تصور جديد للوجود والإيمان، مما جعله أهلاً لاستقبال التنزيل، ولتأكيد ذلك يمكن قبول أخبار الاختلاء النبوي بوجه عام، لأن مثل هذا حدث للنبي موسى عندما ذهب لميقات ربه أربعين ليلة، كما ورد في القرآن.
الاغتراب النبوي.. اغتراب إيجابي، كان إعداداً إلهياً للنبي، أثمر اتصالاً بالله خالق الوجود ليتلقى منه الوحي، والاغتراب الإيجابي بطبيعته يعيد فيه المغترب بناء رؤيته عن الوجود من حوله، وقد يتحول إلى بناء تصور للمجتمع الذي يطمح فيه، وهذا ما حصل للأنبياء، بحسب القرآن، بيد أن النبي محمد لم يقتصر على إعادة بناء مجتمع من حوله، بل أحدثت رسالته انقلاباً عالمياً، فقد أعطى القرآن رؤية جديدة للحياة في تصور وجودي متكامل، لم يكن معهوداً من قبل. المفردات التي استعملها هي ذات المفردات الموجودة قبله، لكنه فككها من منظوماتها القديمة، وأعاد بناءها في نسق جديد لا عهد للبشرية به من قبل.
الاغتراب النبوي.. لم يكن انكفاءً على الذات كالاغتراب الصوفي؛ الذي يبني علاقته بالله بعيداً عن الاجتماع البشري؛ مفارقاً له في كل شيء، في تصوراته التي لا يدركها العقل، وفي لغته الشاطحة، وتعامله المستهجن، وإنما هو اغتراب أوصل به النبي الاجتماع البشري بالله وحده، في إطار العمل، وبما لا يند عن العقل، وكثيراً ما يرد في القرآن الربط بين الإيمان والعمل الصالح: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).
تأثر المسلمون بالاغتراب النبوي، فقد جاء في رواية: (أَن النبي صلى اللّه عليه وسلم سُئل عن الغرباء، فقال: الذين يُحْيُون ما أمات الناس من سنتي)، وفي رواية: (إن الإِسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)، ولا أريد هنا أن أعطي النص دلالة تأويلية، فوق دلالته العامة على الاغتراب النبوي الذي انعكس على فكر المسلمين، وذلك.. لأن الرواة أعادوا بناء النص بحسب الأوضاع التي مر بها الاجتماع الإسلامي في زمانهم.
أكتفي بهذا القدر عن الاغتراب النبوي، راجياً أن تكون لي أوبة إليه في مقال آخر بعنوان: «الاغتراب في القرآن».