يسألونك عن الَتَنمُّر ..

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تتعدد مفاهيم الـ «تَنَمُّر» وتتخذ في أشكالها ممارسات كثيرة، وعلى الرغم من ممارستها على نطاق واسع من قبل الأفراد، إلا أن إسقاط ممارستها على فئات السن الصغيرة «الأطفال» هو الشائع، وفي هذا التوصيف المحدود، مغالطة في التطبيق، وفي التنظير، ولذلك فالمسألة تحتاج إلى تحديد أدق في التعريف، وهذا التحديد تقتضيه الضرورة المعرفية؛ على وجه الدقة، لأن الوسائط الاجتماعية تحتضن مجموعة من السلوكيات التي تذهب جلها إلى مفهوم الـ«تَنَمُّر» ولم يعد الواقع يقتصر على سلوكيات الأطفال فقط، ومن هذه الوسائط المشهود لها بهذا السلوك الـ «نافر» الأسرة، والمدرسة، ومؤسسات العمل، والمجتمع بمناخاته المختلفة، فكل هذه الوسائط لن تخلو من كثير من الممارسات التي تنضوي تحت مفهوم الـ «تَنَمُّر» وبالتالي، فالمفهوم لم يعد خاضعا لخصوص السبب، بقدر ما يتسع لعموم اللفظ، ومن هنا أيضا تأتي أهمية التعريف الدقيق للمفهوم.
يبدو، حسب الفهم العام للتنمر، أن هناك طرفين، أحدهما: قوي متسلط، والثاني: ضعيف مغلوب على أمره، وهذان الطرفان اللذان يشكلان طرفي المعادلة هما قاسم مشترك عند جميع الفئات السنية، وليس مقصورا ذلك على الأطفال في سن معين، فالاستقواء على الآخر موجود عند جميع الفئات، والعنف اللفظي الذي هو إحدى الممارسات التنمرية لا يقدر عليه إلا الكبار، ونشر الشائعات هي الآخر تحتاج إلى صاحب ذي رؤية أو رسالة يهدف من خلالها بث الإشاعة إلى إيصال رسالة ما لطرف أو لأكثر من طرف، وهذه كلها لا يقوى عليها الأطفال في سنيهم المبكرة، فإذَا إلصاق التنمر بالأطفال؛ كما أرى؛ فيه مغالطة موضوعية تحتاج إلى مراجعة، لتصحيح الفهم، ولتصويب المعاني، ومن هنا يقتضي الموقف طرح سؤال جوهري حول إلصاق صفة الـ «تَنَمُّر» بالأطفال، وتخصيصها بهم سلوكا وممارسة، مع أن الـ «تنمر» هو سلوك إنساني بحت، غير مرتبط بالسن، ولا بالنوع الإنساني (ذكر/ أنثى) فكلا الجنسين فيهما المتنمر على الآخر، والقاسي على الآخر، سواء بسواء، وإن استحوذ الذكر على النصيب الأكبر من هذا السلوك المشين، في إيذاء الطرف الآخر «الأنثى» وهذا الاستئثار ليس له علاقة بثقافة المجتمع كما هي القناعة، وإنما هي فطرة متأصلة في الإنسان، يشترك في الإيمان بها جميع الشعوب، بلا استثناء، حتى وإن حاولت بعض التوجهات السياسية إلصاق تنمر الرجل على المرأة بصورة أكثر لدى الشعوب العربية، كما نقرأ في كثير من الرسائل الملغمة والموجهة، مع أن صورة الإلصاق هي ذاتها واحدة من صور الـ «تَنَمُّر» لأن فيها طرفين غير متكافئين، طرف يملك كل أدوات القوة، ويمارس من خلالها كل الغوايات الشيطانية بلا رقيب، ولا حسيب، وطرف آخر مغلوب على أمره، يتقبل عن طواعية كل ما يملى عليه، في صورة من الاستسلام المطلق.
ومن هنا – على سبيل المثال – تنتشر بين أوساط الشعوب المغلوبة على أمرها ثقافة «جلد الذات» وهذه من أكبر التداعيات المتأصلة في نفوس أبنائها، وهذا ناتج عن استمرار تنمر الدول الاستعمارية على الدول الضعيفة، حيث أدمنت شعوب الدول المغلوب على أمرها هذا الضعف، والاستعباد، فانعكس ذلك على عدم ثقتها في نفسها، ووجدت «جلد الذات» مهربا من تأنيب الضمير المستمر، ومن تحمل المسؤولية كذلك، مما أدى إلى استسلامها من ناحية، وإلى اجترار الماضي بمنجزات أبنائه، تسلية، وتسكيتا من تأثير هذا التأنيب من ناحية ثانية، ونتيجة لذلك أيضا انزاحت عن المساهمة الفاعلة في الإنجاز البشري في مختلف العلوم، وأي فرد يخرج عن هذا الاستسلام يواجه بكثير من العراقيل، وتكسير مجاديفه المعنوية، حيث يصبح فردا خاملا محبطا يتوارى عن القوم من سوء ما قوبل به.
وفي عالم السياسة تتسع المساحة لممارسة الكثير من حالات الـ«تَنَمُّر» فالدول المستقوية، وما أكثرها؛ على الدول المغلوب على أمرها، وما أكثرها أيضا، تعيش حالات غريبة وعجيبة من الـ «تَنَمُّر» يمارس فيها كل أنوع التعذيب، والإهانة، من قتل النفس، وانتهاك الأعراض، وهضم الحقوق، وأنواع لا حد لها من انتهاكات حقوق الإنسان التي لا تحتمل المواربة، وبالتالي فهناك دول تدفع أثمانا غالية، انعكاسا لممارسات الـ «تَنَمُّر» الذي تقوم به الدول الاستعمارية على امتداد التاريخ الإنساني، ولا تزال نفس الدول، تمارس غواياتها الـ «تَنَمُّرية» وهذا ما يعزز الفهم الذاهب إلى أن الحالة الـ «تَنَمُّرية» غير مرتبطة بسن، ولا بجغرافيا، ولا بأيديولوجيا معينة، وإنما كل من يجد في نفسه معززات القوة لممارسة الـ «تَنَمُّر»، فإنه لن يتأخر قيد أنملة عن الشروع في ذلك، ويبقى القانون الصارم، هو الذي تكون له كلمة الفصل في الشروع في الـ «تَنَمُّر» من عدمه، ومع ذلك فتأثيره محدود، لأن المسألة مرتبطة كثيرا بمستوى القناعات عند الناس في ممارسة الـ «تَنَمُّر» من عدمه.
يذهب الفهم أيضا إلى أن المجتمعات التقليدية التي لا تزال تتخذ من الـ «وجاهات» متكأ للتميز، أو الحفاوة الاجتماعية، تظل الأقرب إلى مداومة سلوك الـ «تَنَمُّر» ذلك أن هذه الصورة؛ وللذين يحرصون على تغذيتها ومداومتها، تقوم على الفوقية والاستعباد، ومعنى ذلك أن كل من لا يستسلم لها يجب أن تمارس عليه بعض الاستقواءات الاجتماعية حتى يخضع «مذلولا» ويعود إلى السرب، وبالتالي فمتى مارست الوجاهات هذه الأساليب الاستقوائية على الآخر، دخلت بصورة مباشرة إلى بيئة الـ «تَنَمُّر» الواسعة، وما أكثرها في المجتمعات التي لا تزال تراهن على بقائها بمثل هذه الاستقواءات التي عفا عليها الدهر، فالمجتمعات الحديثة تحتكم على القانون في تنظيم علاقات أفرادها ومجموعاتها، ومجموع ممارساتهم اليومية، وذلك وصولا إلى العدالة الاجتماعية، ومع ذلك تشهد هذه المجتمعات بعض الخروقات في هذا الاتجاه، فالإنسان هو الإنسان؛ أينما حل وارتحل.
ومما يؤسف عليه أكثر أن نرى أحد أهم محاضن التربية تمارس الـ «تَنَمُّر» على نطاق واسع، وعلى مشهد ومرأى من الجميع، فحالات الـ «تَنَمُّر» التي تحدث عند بعض المدرسين، الذين لا يرقبون في أبنائهم الطلبة إلا ولا ذمة من ضمير، حيث يكثر السباب والشتائم بأعنف الألفاظ وأسخفها، وأقذرها؛ في بعض الأحيان؛ ولا يتوقف هذا الاستهتار في هذه العلاقة القائمة بين الطرفين في الهيئات التدريسية على مرحلة معينة فقد عايشناها في كل المراحل، وصولا إلى الجامعة، وفي الجامعة الممارسة أعمق، وأشد تأثيرا، وكأن هذا المسترجل «الأكاديمي» لا يرى أحدا فوقه، وكأنه موكل بأعمار الطلبة، وليس بمستقبلهم فقط، وكم من الطلبة الذين من وصلوا إلى المراحل الأخيرة في البحوث الأكاديمية ولم تبق إلا خطوة واحدة للمناقشة في الرسائل الأكاديمية (الماجستير/ الدكتوراه) على وجه الخصوص، فإذا بهذا المتسلط يلغي البحث كاملا، ويرسب الطالب، بكل عنجهية وتطاول على كل الأعراف والقيم، لمجرد حالة ضعف يمر بها الطالب، أو خطأ غير مقصود، وعلى هذا الطالب أن يبدأ سنوات عجاف أخرى، أو (يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون) – الآية (59)؛ سورة النحل -.
أختم؛ باسترجاع صورة ذهنية؛ لا تزال مختزنة؛ ففي ذلك العمر الصغير، حيث القرية بمجتمعها الصغير والمحدود جدا، كنا نشهد معارك كثيرة تقام هنا أو هناك لدى جميع الأعمار، في السوق، أو في الحقول، أو في الساحات العامة، وحتى في مدارس القرآن الكريم؛ بعد انتهاء اليوم الدراسي، هذه المعارك لا تقف فقط على سوء فهم ما يحدث بين شخصين، وإنما تذهب المسألة إلى الأبعد من ذلك، حيث تتناصر القوى (شخصان أو أكثر) مقابل عدد كمي لفريق آخر، وتحدث معارك، تبدأ لفظية، وتنتهي إلى إيذاءات جسدية عميقة، وفوق ذلك مرشحة إلى أن تتجدد في اليوم التالي، بنفس هذا الـ «حنق» أو شدة الغيظ، وقد تسيل الدماء، وعندما تأتي لمراجعة الأسباب التي أوصلت كلا الطرفين إلى هذا المستوى من الصدام، قد لا تجد ذلك المسوغ الذي يستدعي هذه الأزمة النفسية، مع تكلفتها الاجتماعية، أليس هذا نوع من مفضيات الفطرة؟