نحو عالم أكثر تواضعا وعقلانية بعد زوال الجائحة

د. عبد العاطي محمد –

مع البدء في استخدام اللقاحات التي تم التوصل إليها للحد من انتشار جائحة الكورونا، ارتفعت تقديرات التفاؤل من جانب المختصين بأن العالم في طريقه إلى التعافي وطي صفحة شديدة الظلام مرت بها البشرية منذ ثلاثينيات القرن الماضي. ولكن التفاؤل يظل مصحوبا بتقديرات لا تقل وزنا وأهمية تتحفظ وتتشكك في إمكانية التخلص – خلال السنوات القليلة المقبلة – من الخسائر الضخمة التي أحدثها الوباء سواء على الصعيد الإنساني أو الاقتصادي، مما يجعل السؤال الكبير مطروحا بقوة حول ما الذي تعلمه العالم، وكيف يمكن التعايش مع وباء قد يستمر طويلا؟.
بالأرقام التي تتحدث بها تقارير مؤسسات دولية مرموقة مثل صندوق النقد الدولي، يمكن القول أن الاقتصاد العالمي يتجه إلى التحسن ولو قليلا مقارنة بالتقديرات المتشائمة التي صدرت خلال العام 2020، فالنمو يتجه إلى 5.5% وهى نسبة جيدة بحسابات الاقتصاديين، وتتنوع الزيادات بين دولة اقتصادية عملاقة وأخرى أقل قوة، حيث من المتوقع ينمو الاقتصاد الصيني مثلا بنسبة تفوق 8%، بينما تظل نسب النمو في الاتحاد الأوروبي متدنية ومتباينة فينفس الوقت بين دولة وأخرى، وهناك من يتوقع انفراجا في الاقتصاد الأمريكي بسبب حزمة التحفيز الضخمة التي طرحها جو بايدن (نحو 2 تريليون دولار). ومع ذلك فإن هذه التقديرات ليست موضع اتفاق عام بين المختصين، حيث هناك من يتوقعون استمرار الركود لبضع سنوات مقبلة سواء بالنسبة للدول الغنية وبالطبع بالنسبة للدول الفقيرة. وما أدى إلى تغير لغة التقديرات من التشاؤم إلى التفاؤل هو في الحقيقة التأثر بعملية البدء في استخدام اللقاحات، وليس لحدوث تغيرات حقيقية في مصادر الاقتصاد العالمي، بما يعنى أنها تعبير عن صورة ذهنية مفترضة لإشاعة جو من التفاؤل لا أكثر.
وبلغة السياسيين الكبار فإن الحال لا يختلف كثيرا حيث تصاعدت لهجة التفاؤل لدى القائمين على الإدارة الأمريكية الجديدة وعند قيادات أوروبية عديدة فيظل التوجهات الأمريكية بقيادة بايدن لاستعادة قوة التحالفات مع أوروبا في مواجهة الصين وروسيا، والرغبة الأمريكية في استعادة قيادة العالم. وعزز من ذلك نجاح كبريات دول العالم في اقتناء اللقاحات المطلوبة لإنقاذ شعوبها من الوباء ومن ثم استعادة بناء الاقتصاد هنا وهناك.
ومع ذلك فإن الترويج لحالة من التفاؤل لا يقف على أرض صلبة، لأسباب يتحدث بها أصحابه قبل غيرهم، ومنها الإرث الثقيل الذي أحدثته الجائحة طوال العام المنصرم سواء تمثل في الخسائر المالية المقدرة بأكثر من 22 تريليون دولار على مستوى العالم، أو فيحجم الإصابات التي وصلت لأكثر من 100مليون شخص ووفاة أكثر من 2 مليون شخص، وانحدار نحو 90 مليون شخص عن خط الفقر. وقد حدث ذلك وسط شراهة من الدول الكبرى الغنية للاستحواذ على النصيب الأكبر مما ينتج من اللقاحات مما يعنى بقاء النسبة الأكبر من الناس على مستوى العالم بعيدين عن فرصة الحصول على اللقاح. ويضاف إلى ذلك ما يؤكده المختصون من أن القدرة على إزالة الجائحة فعلا تعنى ضرورة تلقيح كل سكان العالم، وهو أمر يكاد يكون من المستحيلات نظريا وعمليا. والمعنى أن خطر الوباء مستمر لسنوات والخسائر جد كارثية على الجميع، والتعايش مع هذا الخطر هو عنوان المرحلة وليس الخلاص منه تماما.
حقائق الوضع كما سبق التوضيح، والتسليم بأن العالم إلى تعايش مع الوباء وليس الخلاص منه، يعنى أن القضية ليست في السباق المحموم لاستعادة معدلات النمو الاقتصادي بشتى الطرق، ولا في توفير اللقاحات للمليارات من البشر، ولا في التصريحات الصاخبة للسياسيين الهادفة إلى كسب ثقة الشارع. وإنما هي أكبر من ذلك بكثير بغض النظر عن الإقرار بأهمية هذه الاعتبارات. إنها تتعلق بمراجعة العالم لكل ما عاش عليه من قواعد وسياسات على مدى العقود الماضية، والخروج من هذه المراجعة بقواعد جديدة قوامها التواضع في ممارسة مظاهر القوة المختلفة فيكل المجالات، والاحتكام للعقلانية والرشد في تقدير المواقف من الأزمات وفي اتخاذ القرارات، وتحقيق المصداقية فيما يتعلق بما جرى الترويج له كثيرا عن احترام إنسانية البشر جميعا دون تمييز بين غنى وفقير، بينما كشف الواقع غير ذلك.
لقد عاش العالم عقودا بل قرونا مسكونا بأن توافر عناصر القوة في كافة المجالات والتي تتحقق بقدرة الفرد المطلقة على تحقيق النجاح المستدام، هي الضمان لتوفير حياة مفعمة بالرفاهية والأمن، والسبيل الوحيد لتحقيق التقدم الإنساني. وخلال الصراع على امتلاك عناصر القوة تفوق البعض على الأخر وباتت هناك كتل وتحالفات تضاد بعضها بعضا، وصاحبتها أفكار وأيديولوجيات تبررها وتعبئ الناس حولها. فما الذي حدث بعد كل هذا؟، استيقظ العالم جميعه أقوياؤه وضعفاؤه على مشكلة تم النظر إليها باستخفاف استنادا إلى الشعور والإيمان القوى بالقدرة على الاحتواء والانتصار في أسرع وقت. لم يتواضع الكبار بل تعاملوا باستعلاء فكانت النتيجة انهيارا مدويا أطاح بالأخضر واليابس أو بالبشر والحجر، ودخل الجميع فيهول الصدمة عاجزين عن الحركة. وكان بالإمكان ألا يحدث ذلك لو أن قدرا من التواضع في تقدير المواقف والتعاون والصدق في العيش المشترك كان موجودا، ولكن ما حدث هو النقيض تماما. خذ على سبيل المثال لا الحصر، أن تصر بعض الدول الغربية على عدم اتخاذ إجراءات احترازية مشددة لا لشيء إلا لأن دساتيرها تنص على أن حرية تنقل الفرد مقدسة ولا تمس. والسويد هي من أبرز الأمثلة على ذلك حيث اختارت مسارا مختلفا تماما حتى عن بقية دول أوروبا الغربية، فكانت النتيجة المزيد من الإصابات والوفيات. وعلى النقيض من ذلك ظهرت الصين بموقف شديد الصرامة في مواجهة الوباء لأنها تتواضع أمام الحقائق ولا تتجبر فكانت من الدول التي تمكنت من السيطرة سريعا جدا على الوباء مع أنه ظهر فيها هي لأول مرة. وفي الجانب البعيد الآخر كان موقف إدارة دونالد ترمب في الولايات المتحدة مثالا فظا على عدم التواضع، وذلك عندما تعاملت بخفة منقطعة النظير مع ظهور الوباء في أراضيها، وكانت النتيجة أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر دولة في الإصابات والوفيات. وأطاحت الجائحة بهذه الإدارة. ومن جهة أخرى كان انتشار الشعبوية والتيارات اليمينية المتشددة ذات التوجهات العنصرية أو القومية الضيقة مثالا على اختفاء العقلانية في تقدير المواقف والأحداث على كل الأصعدة وبدلا من ذلك الاحتكام للمشاعر والرؤى الشخصية والنزعة المتعالية في النظر للنفس والمصلحة الحزبية الضيقة. وجاءت الجائحة لتكشف كم كانت هذه التوجهات كارثية على شعوبها، لأنه بناء عليها تقاعست معظم الدول الغربية عن مساعدة بعضها البعض في الحد من انتشار الوباء والعمل على إنقاذ الاقتصاد هنا وهناك.
الدرس الذي يفرض نفسه على ضوء هذه التجربة المريرة هو أن المراجعة لقواعد السلوك وتنظيم شؤون الحياة العامة بما فيها الجوانب الاقتصادية باتت ضرورية للحفاظ على الوجود الإنساني من الفناء فيظل استمرار تعرض البشرية لأنواع مختلفة من الفيروسات القاتلة. هناك انهيار لم يسبق له مثيل في الحالة الاقتصادية العالمية كفيل بأن يعيد الكثيرين إلى الوراء لعقود قادمة، وهناك قيود لا مفر من اتخاذها تمنع حرية التنقل داخل وخارج الحدود الوطنية، وهناك حالة من الافتقاد للعدالة في توزيع اللقاحات. وكلها من المؤكد تلقى بظلالها على أي قرارات وطنية في أي بلد من البلدان بما فيها من ينتمون إلى عالم الأغنياء. والعمل بالقواعد القديمة لن يجدي نفعا، ولا مفر من المراجعة لهذه القواعد. تحتاج كبريات النظم السياسية الغربية إلى تشريعات من مؤسساتها المعنية تسمح بضبط حرية التنقل بما يحافظ على الصحة العامة، وإلى تشريعات أخرى تتعلق بالحد من الرأسمالية المتوحشة وانفلات العولمة وكبح جماح النزعات الانفصالية أو الانعزالية. ويحتاج العالم إلى بناء تحالفات لتعزيز منهج التعاون بين الدول وليس لتعميق الصراعات، ليس على الصعيد الاقتصادي وحسب، وإنما على صعيد الصحة العامة فقد أثبتت الجائحة أنه لا ضمان للصحة العامة فيبلد من البلدان دون أن تتوفر للجميع. ويتعين على المؤسسات الدولية المعنية بالتنمية أن تجعل في مقدمة أولوياتها دعم مشروعات الصحة العامة. ومن جهة أخرى فإنه طالما أن الظروف العالمية المعاصرة لم تؤدى إلى بناء نظام دولي جديد أكثر عدالة وأمنا واستقرارا، فعلى أقل تقدير يتعين الحد من المخاطر الناجمة عن غياب هذا النظام أو عن غياب الدولة القائد عالميا (يسعى الرئيس الأمريكي الجديد بايدن إلى أن تعود بلاده إلى قيادة العالم، ولكن التحديات الداخلية لا تجعل هذا الهدف ممكنا في الأجل المنظور). وفي إطار العمل على الحد من المخاطر يصبح من الأهمية بمكان أن تصبح السياسات العامة منضبطة بالمزيد من التواضع في ممارسة القوة وتقدير مسار الأحداث وبالمزيد من العقلانية والرشد ولا تتأثر بالنزعات الشعبوية والقومية الضيقة. لقد أصبح العالم في أمس الحاجة إلى تغيير الفكر، فعالم ما بعد الجائحة ليس هو ما قبلها شاء البعض أم أبى.