جيبوه ..

آمنة الربيع –

ولدت في مدينة صلالة بمحافظة ظفار. درست في مدرسة الرباط «السلطان قابوس حاليا». ترعرعت في منطقة «الحافة» وعملت في الفرقة السلطانية الثانية، ويمكن القول إن طريقها إلى الغناء في بيئة محافظة قد بدأ مبكرًا جدا، والصعوبات فيها جرى تجاوزها مع الإصرار وشراكة الزوج. كان على الفنانة زكية ربيع الانتظار طويلًا لتعلن عن اسمها وذائقتها ولونها الغنائي المحبب إليها، ليطغى مع مرور الوقت اسم أجمل أغانيها التراثية المطوّرة «جيبوه» على الاسم الأصلي.
هي ابنة رجل «رحمه الله» كان لديه من الحظّ المتواضع في قول الشعر الشيء القليل. لم يعارض والداها اتجاهها إلى الغناء، وبدعمهما وتشجيعهما لها، أسكت تلك الألسن الكثيرة التي رأت في وقوف زكية على خشبة المسرح للمرة الأولى في سنة 1991م خروجا على عادات المجتمع المحافظ وتقاليده. زواجها من الملحن «نجم الدين عوض أبو طارق» كان بمثابة جواز المرور الآمن لدى المجتمع المحافظ، الذي يؤمن كغيره من المجتمعات، بذهنية عميقة ترى أن المرأة مهما تبوأت في المجتمع من مناصب ومهما حصلت على شهادات علمية، لا يُعدّ لها أيّ كيان حقيقي إلاّ إذا كانت متزوجة!
نجحت زكية في أن تكون زوجة وأمًّا وأختًا وصديقة، إلى جانب نجاحها كفنانة من ظفار، وبالرغم من حرصها على ارتداء الثوب التقليدي الظفاري الجميل، والغناء به في جميع حفلاتها والمناسبات التي شاركت فيها سواء الرسمية أو الخيرية، لِما يمثله لها الثوب من هوية وطنية، وعلى الرغم من نجاح أغانيها في داخل السلطنة وفي الخليج، إلا أن قرار اعتزالها للغناء كان صادمًا للبعض، في حين رأى آخرون أن قرارها ذلك يُعد أفضل قرار بالنسبة لامرأة مسلمة صوتها في آخر الأمر عورة!
كان الإحساس القوي لدى زكية بقوة الموهبة والأذن الموسيقية الجميلة والسير على الطريق، أقوى من الإحساس بهيمنة الذكورة المجتمعية، فلم يثنها ارتفاع أصواتهم عن المضي بخطوات ثابتة لوجود المشجعين من حولها.
كان قبل ظهورها للغناء على خشبة المسرح هناك أصوات فنيّة نسائية تقليدية اقتصر غنائهن بين النساء في البيوت وفي مناسبات الأعراس أو الخاصّة، فكان على زكية أن تثّبت قدميها في ساحة فنية يمكن القول إنها كانت تقتصر على الفنانين الذكور، أمثال: سالم علي سعيد، وسالم محاد، وجمعان ديوان، وعمر جبران وعوض القعيطي.
بدأت الانطلاقة التأسيسية في أواخر عام 1987م، عندما قررت زكية تسجيل أول عمل فني «كاسيت» لها بعنوان «يا حبيبي لا تسافر»، من كلمات وتلحين زوجها. أخذت الأجهزة من مؤسسة «الراعي»، وكان الراعي من أوائل الاستوديوهات التي تنتج الأشرطة وتبعيها في ذلك الوقت. تم تنفيذ العمل وإهداؤه للاستوديو من أجل انتشار الاسم. جرى تسجيل العمل في البيت مجانًا. ولم يحظَ بذكر فني كبير على جميع المستويات، الرسمية والمجتمعية. ربما أن ذلك العمل ساهم في انتشار اسمها في نطاق محدود، ولكنه لم يُسهم في تثبيت موهبة صوتها بين الأصوات الغنائية المعروفة. وكما جرت العادة أن يلجأ الموهوبون في بداية مشوارهم الفني إلى الاكتفاء بالتوزيع البسيط أو إهداء العمل الفني للموزع، فعلت زكية ذلك، لأنّ انتشار صوت نسائي في مجتمع محافظ في ذلك الوقت يُعدُّ مغامرة كبيرة حافلا طريقها بالأشواك وليس بالورود، بالإضافة إلى ذلك، فإنّ غياب مؤسسات فنية تحتفي بالمواهب وترعاها، يقلل من فرص الانتشار، ويمكن القول بهدوء إن مغامرة زكية مع عملها الفني الأول كانت مُخيبة للطموح.
وفي التسعينيات كانت العودة الثانية لزكية إلى الساحة الفنية، مسلّحة هذه المرة بذائقة تراثية من جهة، وبمعرفة بالساحة الفنية من جهة أخرى. فقدمت ألبومها الثاني بعنوان «على شانه»، وبه ست أغنيات معظمها من كلمات الشاعر المبدع «عادل بن أحمد الشنفري أبو قحطان»، وهو من أوائل الشعراء المحليين الذين تعاملت معهم الفنانة زكية، وصفته بأنه: «صاحب كلمة جيدة. وكان يكتب الأغنية بشكل متطوّر، ووقف إلى جانبي وساندني، وله بصمة كبيرة في حياتي».
في تقديري أن بصمة الشاعر عادل الشنفري هي أشبه ببصمة خالها «فؤاد محبوب»، الذي كان من أوائل من احتضنها وشجعها ودلّها على طريق الفن، فقد كان عازفا لآلتِّي العود والأورج، وكانت زكية كلما تجلس معه كان يجعلها تُغني على ما يعزفه من ألحان، وهي ابنة الأربعة عشرة ربيعا، وبالتردد إليه مع الوقت تعلمت على يديه السُلم الموسيقي.
يبدو أن الذي كانت تحتاج إليه زكية بعد العودة لا يقتصر على غناء الأغنية ذات اللون الشعبي، لِما يمتاز به هذا اللون من خصوصية في الوجدان الجمعي. فالمجلس الدولي للموسيقى يُعرّف الأغنية الشعبية نقلًا عن «توظيف الأدب الشعبي في النص المسرحي الخليجي» للدكتور سعيد السيابي أن «الأغاني الشعبية هي حصيلة من تراث الألحان، تطورت خلال النقل السماعي»، فالأغاني الشعبية بهذا المعنى كانت موجودة، والجميع يستطيع أن يغنيها، لكن ما كانت زكية تحتاجه يكمن في مفهوم آخر هو «التطوّر» الخاصّ بالفنون الشعبية، وبالأغنية على وجه خاص، ذلك التطور الذي ينقل الأغنية من طوّرها التقليدي إلى طوّر متقدم مُجدِّد عبر تنوّع في الموسيقى، والجمل اللحنية والمفردات الشعرية. وظهر هذا التجديد في التعاون المناسب مع الشاعر أبو قحطان، فقدمت من كلماته في ألبومها «على شانه» أربعة أغاني عاطفية. نزل الألبوم باسم إحدى أغنيات الشاعر إلى جانب أغنيتين شعبيتين للفنان عوض القعيطي وكان هذا أول محاولة لها في غناء الفن الشعبي. نجح العمل على مستوى المحافظة وأسعد زكية أن الجمهور أخذ ينتبه لصوتها وإحساسها.
دفع نجاح ألبوم «على شانه» الفنانة زكية إلى تأكيد حضورها، وكان عليها هذه المرة أن تُقدم خطوة غير مسبوقة لترسيخ قدميها في المجال الفني. وكان حرصها على التطوّر وتجديد الأغنية الشعبية شغلها الشاغل، واستطاعت بعد استثمار النجاح السابق أن تتعاون مع الشاعر المبدع «علي بن الصومالي أبو المجّد» رحمه الله، وقدما كثنائيين أشهر ما غنته زكية، أغنية «جيبوه» التي حملت عنوان ألبومها الثالث.
تدور أغنية «جيبوه» حول فكرة علاقة عاطفية بين حبيبين، وهذه العلاقة من أشهر العلاقات المُحببة إلى الشعراء والأدباء، حيث تجسّد كلماتها الشوق إلى الحبيب المسافر، وما يُخلّفه غيابه من سهر وحنين وصبر على المكاره. لاقت الأغنية شهرة واسعة في السلطنة وفي الخليج، وقد غناها بعض الفنانين والفنانات الذين لمسوا في مفردة «جيبوه» النداء إلى الحبيب على عكس بعض الأغاني التي تدعو فيها المرأة إلى الهجران والتحدّي والنسيان.
تصف زكية الشاعر أبو المجد قائلة: هو إنسان جميل وبسيط جدا في تعامله بأخلاقه الرفيعة مع الجميع. وهو شاعر فذَّ وأحد الشعراء الكبار المُجيدين. تصل كلماته في بساطتها وعذوبتها فتدخل القلوب من دون استئذان.
ويُعد الشاعر علي الصومالي من أبرز وأفضل الشعراء الغنائيين في الخليج وفي السلطنة ومن أكثرهم انتشارا، حيث تَعامل مع العديد من الفنانين من خارج السلطنة أمثال: (رباب، وعبدالله رويشد، وخالد الشيخ، وعلي عبدالستار).
ضم ألبوم جيبوه عناوين تدور مضامينها في علاقات المحبين وأهوال العشق ومعاناته، كأغنية «عيني سهيرة»، وأغنية «سيدي على الله رضاك» مثلا، كما أجاد الشاعر في أغنية «لا تأمن الناس» الزاخرة بالمُثل والحِكم، وهي أغنية فريدة وبديعة، كما تنوعت إيقاعات الألبوم بين الألوان اللحنية الشعبية التي يزخر بها المجتمع في ظفار كالطبل والربوبة والمدار وغيرها.
وقد طُبعت من هذا الألبوم عشر نسخ، وما زالت أغنية جيبوه إحدى أهم الأغاني المطوّرة للتراث الغنائي في عُمان تتردد على الألسن في المناسبات المختلفة.
تستطرد الفنانة زكية الحديث عن تجربة هذا الألبوم فتقول: جيبوه أغنية شعبية بسيطة من الفن الشعبي المرباطّي دخلت القلوب لبساطتها. تمثّل تطويرها في التلحين حيث لحنها زوجي. جميع أغاني الألبوم كانت تراثية ومطوّرة، مزجنا فيها بين كل الألوان التراثية، وهي تجربة أسعدتني كثيرا. سجلنا الأغنية في استوديو الذكريات للأستاذ (عبدالله بن صخر العامري -رحمه الله) في مسقط، وكان مهندس الصوت (أحمد محمد فتحي) لأنّ الاستوديوهات في المحافظة كانت متواضعة جدا.
شارك في إنجاز الألبوم مجموعة جيدة ومتعاونة من الأصدقاء والمعارف، وكنا عندما نسافر للتسجيل نأخذ معنا إخواننا الإيقاعيين من صلالة لأنّهم أكثر معرفة وتخصصا بالإيقاع الظفاري، وكان ذلك كله على نفقتنا الخاصة!
«يا سامع سمع» هكذا نزل ألبوم زكية الرابع إلى الأسواق، وكان ذلك في سنة 1995م، ثم أخذ العّد التنازلي للتوقف لإعلان الاعتزال، وكان آخر عمل لها بعنوان «سرى الليل» في سنة 2001م. الناظر إلى أسباب اعتزال الفنانة زكية وهي في قمة العطاء والنجاح لا يَسعه إلا أن يحترم قرارها، لظروفها النفسية الحادة التي أثرت عليها بسبب وفاة ابنها.
إن تسعة عشر عاما من التوقف والغياب في ظّل ما تتعرض له اليوم بعض الأغاني الشعبية مع الشباب من تغريب، يطرح الأسئلة ويعيد القراءة الفاحصة والناقدة لتجربة الفنانة زكية أطال الله في عمرها، التي أنتجت على نفقتها الخاصة ثمانية ألبومات، فبالإضافة إلى الألبومات التي أشرنا إليها في الثنايا، نشير إلى ألبومات (يا بن عمي، ويويو، ويوسف، وصريحة، وثلاث أغانٍ وطنية).
ماذا لو لم تتوقف زكية وتعتزل الغناء؟ هل كانت ستستطيع تكوين فرقة موسيقية خاصة لها، أسوة بالفرق الموسيقية التراثية في العالم العربي كما كانت تحلم؟ وأين هي تجربة الفنانة زكية في وسط فنانات عمانيات سبقوها إلى الظهور أمثال: (آسيا الكندية، وإيمان، وسماح) اللاتي احتفت بهن المؤسسة الرسمية في ذلك الوقت؟
وكيف نقيّم تجربة أغنية جيبوه من ضمن أنماط عاطفية غنتها زكية وأبدعت فيها حيث تلجأ إلى أخذ الجمل الموسيقية اللحنية الشعبية وتقوم بمزجها مع اللون اللحني الحديث بعد تأمل ومعايشة تمتد لأيام طويلة، وتقول زكية: إن اللون العاطفي أقرب إلى إحساسها لأنّها في البداية أول ما استمعت له وتأثرت به الأغنية العاطفية لدى فنانين خالدين كأم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، ووردة، وعبدالوهاب، كما لا تُخفي إعجابها وتأثرها بصوتي الفنانين العماني (حكم عايل) الذي تعدّه من أجمل الأصوات العمانية، والفنانة الخليجية (رباب). إنّها أسئلة ممتدة ستظل تُطرح للنقاش، كلما انتشينا بسماع أغنية «جيبوه».