في زيارة تاريخية لـ3 أيام .. البابا لدى وصوله العراق: “لتصمت الأسلحة!”

بغداد – (أ ف ب): أطلق البابا فرنسيس نداء صارخا بعد وقت قصير من وصوله الى العراق في زيارة تاريخية غير مسبوقة الى بلد دمرته الحروب والنزاعات، قائلا “لتصمت الأسلحة!”، ومشددا على “الإرث الغني” الذي يشكله وجود المسيحيين.
وفي ظل تدابير أمنية مشددة، تنقل موكب البابا وحده في طرق فارغة بسبب الحجر الإلزامي الذي فرضته السلطات خلال الأيام الثلاثة التي ستستغرقها زيارته للوقاية من كوفيد-19. ووضع البابا البالغ من العمر 84 عاما والذي تلقى اللقاح ضد فيروس كورونا في الفاتيكان قبل أسابيع، كمامة، مشددا على أهمية “أن نخرج من زمن المحنة هذا”، زمن الجائحة، “أفضل ممّا كنا عليه من قبل، أن نبني المستقبل على ما يوحّدنا وليس على ما يفرّق بيننا”.
ويحمل البابا خلال زيارته رسالة تضامن إلى إحدى أكثر المجموعات المسيحية تجذرا في التاريخ في المنطقة، ويسعى الى تعزيز تواصله مع المسلمين.
وسيعبر البابا خلال زيارته مسافة 1445 كيلومترا في بلد لا يزال فيه الاستقرار هشاً. ومن أبرز المحطات النجف الأشرف حيث سيلتقي المرجع الشيعي علي السيستاني (90 عاما) الذي لم يظهر علنا بتاتا.

“كفى عنفا”

وفور وصوله، تطرق إلى كل المواضيع الحساسة والقضايا التي يعاني منها العراق خلال لقائه الرئيس العراقي برهم صالح. وقال ” لتصمت الأسلحة! ولنضع حدا لانتشارها هنا وفي كل مكان! ولتتوقف المصالح الخاصة، المصالح الخارجية التي لا تهتم بالسكان المحليين. ولنستمع لمن يبني ويصنع السلام!”.
وأضاف “كفى عنفا وتطرفا وتحزبات وعدم تسامح! ليعط المجال لكل المواطنين الذين يريدون أن يبنوا معا هذا البلد في الجوار وفي مواجهة صريحة وصادقة وبناءة”.
ودعا إلى “التصدي لآفة الفساد وسوء استعمال السلطة، وكل ما هو غير شرعي” بعد أكثر من سنة على خروج العراقيين بعشرات الآلاف الى الشارع محتجين على الطبقة السياسية الفاسدة في نهاية 2019.
وقال “ينبغي في الوقت نفسه تحقيق العدالة، وتنمية النزاهة والشفافية وتقوية المؤسسات المسؤولة عن ذلك” من أجل تحقيق الأمن والاستقرار.
وفي إشارة الى المسيحيين الذين يشكلون واحدا في المئة من السكان، شدّد على ضرورة “ضمان مشاركة جميع الفئات السياسية والاجتماعية والدينية، وأن نؤمن الحقوق الأساسية لجميع المواطنين”، قائلا “يجب ألا يعتبر أحد مواطنا من الدرجة الثانية”.
وسمى الأيزيديين، “الضَّحايا الأبرياء للهجمية المتهورة وعديمة الإنسانية، فقد تعرضوا للاضطهاد والقتل بسبب انتمائهم الديني وتعرضت هويتهم وبقاؤهم نفسه للخطر”.
وتعرض الأيزيديون للقتل والخطف والسبي والعبودية والاضطهاد خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق بين 2014 و2017.
وفي بلد يشهد توترات حادة وتبادل رسائل وتصفية حسابات بين قوى خارجية عدة على رأسها الولايات المتحدة وإيران، قال البابا “أتمنى ألا تسحب الدول يد الصداقة والالتزام البناء الممدودة إلى الشعب العراقي، بل تواصل العمل بروح المسؤولية المشتركة مع السلطات الحلية دون أن تفرض مصالح سياسية أو أيديولوجية”.
من جهته، رحب الرئيس العراقي برهم صالح بالبابا فرنسيس “ضيفا عزيزا كريما” في العراق، وقال صالح خلال استقباله البابا في القصر الرئاسي “فيما يحل بيننا قداسة البابا ضيفا عزيزا كريما”، هناك “فرصة تاريخية لجعلها مناسبة لإعادة التأكيد على قيم المحبة والسلام والعيش المشترك ودعم التنوع” الديني والاجتماعي، واصفا ذلك ب”قيم إنسانية يصل صداها الى العالم أجمع”.

وسيكتفي جزء كبير من العراقيين بمشاهدة البابا من خلال شاشة التلفزيون، وسيستخدم البابا على الأرجح سيارة مصفحة في تنقلاته على طرق أعيد تأهيلها خصيصاً استعداداً للزيارة، بالإضافة الى مروحية وطائرة خاصة للتنقلات البعيدة سيعبر خلالها فوق مناطق لا تزال تنتشر فيها خلايا لتنظيم داعش الذي أعلنت القوات العراقية الانتصار عليها وتحرير العراق منها منذ 2017.
وستغيب بسبب التدابير الوقائية من وباء كوفيد-19، الحشود التي اعتادت ملاقاة البابا في كل زياراته، مع استثناء خلال القداس الذي سيحييه الأحد في الهواء الطلق في إربيل في كردستان بحضور نحو أربعة آلاف شخص حجزوا أماكنهم مسبقا للمشاركة فيه، علما أن المكان يتسع لعشرين ألفا. وأكدت السلطات العراقية أنها اتخذت كل التدابير الأمنية “برا وجوا”.
واستهدف هجوم صاروخي الأربعاء قاعدة عسكرية تؤوي جنودا أمريكيين في غرب العراق، في آخر عملية من نوعها في إطار سلسلة هجمات ضد مصالح أمريكية خلال الأشهر الماضية، وعلى خلفية توتر أمريكي إيراني ينعكس على أرض العراق حيث للطرفين وجود ونفوذ.
ويلتقي البابا السيستاني اليوم السبت في منزله المتواضع المكون من طابق واحد. وسيشارك في لقاء يجمع ممثلين عن الأديان والمذاهب المختلفة بمن فيهم الأيزيديون والصابئة.
وقال البابا في كلمته أمام الرئيس “إنّ وُجود المسيحيين العريق في هذه الأرْض وإسْهامهم في حياة البلد يشكّل إرثا غنيا”، مضيفا “إنّ مشاركتهم في الحياة العامّة، كمواطنين يتمتعون بصورة كاملة بالحقوق والحريات والمسؤوليات، ستشهد على أنّ التعددية الدينية والعرقِية والثقافية السليمة، يمكن أنْ تسْهم في ازدهار البلد وانسجامه.