بوادر التضامن لمكافحة كوفيد 19

نجير وودز*
في خطاب أرسلته مؤخرًا إلى زملائها في مجموعة العشرين، جادلت وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين أن برنامج التطعيم العالمي الفعّال ضد فيروس كورونا “هو أقوى حافز يمكننا تقديمه للاقتصاد العالمي”. مع قيام الدول الغنية بتلقيح سكانها في حين لم تحصل البلدان منخفضة الدخل حتى الآن على جرعات اللقاح المدفوعة التكاليف، يبدو العالم بعيدًا عن تحقيق هذا الهدف. ومع ذلك، فقد بدأت بوادر التضامن الأولى تلوح في الأفق، ويجب على القادة تعزيز التعاون لرعايتها.
يُعد هذا النهج ضروريًا، لأن إعادة فتح الاقتصاد العالمي يتطلب احتواء فيروس كورونا في كل مكان. تُقدر إحدى الدراسات الحديثة أنه حتى لو وصلت الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات التطعيم المثلى بحلول منتصف عام 2021، فقد تُعاني رغم ذلك من خسائر اقتصادية تصل إلى 4.5 تريليون دولار هذا العام إذا استمرت عمليات توزيع اللقاحات في البلدان النامية في التخلف عن الركب.
ستكون الاقتصادات المفتوحة مثل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وسويسرا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة أكثر عرضة للخطر، وقد تتجاوز خسائر الإنتاج في قطاعات مثل البناء والمنسوجات وتجارة التجزئة والسيارات 5٪. في الواقع، تُشكل عملية توزيع اللقاحات غير المُنسقة مخاطر صحية جسيمة. فقد أدى إبعاد البلدان الأكثر فقرًا واحتياجًا عن سلسلة الإمدادات إلى وفاة العديد من المُمرضين والعاملين الصحيين في الخطوط الأمامية الذين توجد أفريقيا في أمس الحاجة إليهم. عندما أعلنت غينيا عن تفشي فيروس إيبولا في فبراير، اعتمد العالم على العاملين في مجال الرعاية الصحية في البلاد لبدء حملة احتواء المرض وتوزيع التلقيح الفعّال.
في غياب هؤلاء العاملين، يُصبح العالم أكثر عُرضة للأوبئة في المستقبل: ففي عام 2014، على سبيل المثال، تسببت حالة واحدة مُصابة بفيروس الإيبولا في الولايات المتحدة في انتشار حالة من الذعر على مستوى البلاد عندما انتقلت العدوى إلى الممرضين الذين يُعالجون المريض المُصاب. لقد ثبت أن ضمان توفر لقاح عالمي سريع أمر صعب للغاية. يحتاج مرفق الوصول العالمي للقاح فعّال ضد فيروس كورونا ( (COVAX، الذي أنشأته ثلاث وكالات صحية دولية لتسريع عملية إنتاج وتوزيع اللقاح، إلى المزيد من الإعانات المالية.
وبخلاف ذلك، ستضطر البلدان الفقيرة إلى تحويل موارد الميزانية الضعيفة أو إبطاء برامج التطعيم ضد الأمراض الأخرى مثل شلل الأطفال والحصبة والتهاب السحايا. وعلى نحو مماثل، هناك حاجة إلى المزيد من التمويل لدعم مُسرّع الوصول إلى أدوات كوفيد 19 (ACT)، الذي أنشأته منظمة الصحة العالمية وشركاء آخرون لتطوير الاختبارات والعلاجات واللقاحات الفعّالة لمكافحة المرض. ووفقًا لأحد التقديرات، ستضمن مساهمة الولايات المتحدة في هذه المبادرة بمبلغ 10 مليارات دولار ما يصل إلى 1.34 تريليون دولار من الناتج المحلي، مما يمنح أمريكا عائدًا يزيد عن مائة ضعف على استثماراتها. تعترف رسالة يلين إلى مجموعة العشرين بهذا المنطق، وقد أجمعت المجموعة في 26 فبراير على أن ضمان الوصول العادل إلى اللقاحات والتشخيصات والعلاجات الآمنة لمكافحة فيروس كورونا بالنسبة لجميع البلدان “يُمثل أولوية قصوى”.
لكن المال ليس العقبة الأكثر إلحاحًا. فقد اكتشفت الدول الأفريقية التي اقترضت المال لشراء اللقاحات أنه لا توجد جرعات لشرائها. على الرغم من أن مرفق “كوفاكس” قد عقد بعض الصفقات لصالح الدول النامية، إلا أنه بحلول الأول من مارس، لم يُقدم سوى بضع مئات الآلاف من الجرعات إلى غانا وساحل العاج. وقد وصلت الشحنة الأولى إلى نيجيريا في 2 مارس الماضي. وبالمثل، فقد تلقت غينيا ما مجموعه 55 جرعة حتى الآن.
يُلقي البعض باللوم على حماية الملكية الفكرية فيما يتعلق بعدم قدرة البلدان النامية على الوصول إلى اللقاح. في أواخر عام 2020، حثت الهند وجنوب إفريقيا، فضلاً عن بعض المنظمات غير الحكومية، منظمة التجارة العالمية على التنازل عن قواعد الملكية الفكرية الحالية المتعلقة بفيروس كوفيد 19، لكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة عارضت هذه الفكرة. ستناقش الحكومات هذه القضية في لقاء منظمة التجارة العالمية في أوائل شهر مارس الجاري.
لكن براءات الاختراع ليست المشكلة حتى الآن. وقد أشارت شركة الأدوية الأمريكية “مودرنا”، التي طورت لقاحًا مُعتمدًا لمكافحة فيروس كوفيد 19، إلى أنه مع استمرار انتشار الوباء، فإنها لن تفرض براءات الاختراع المتعلقة بفيروس كورونا ضد أولئك الذين يُصنعون اللقاحات التي تهدف إلى مكافحته. وتقول شركة “آسترازينيكا” أنه “طوال فترة انتشار جائحة الفيروس التاجي”، ستستمر في تطوير اللقاحات “مع تغطية تكاليف الإنتاج والتوزيع فقط”.
ومع ذلك، ستحتاج هذه الترتيبات قصيرة الأجل إلى الاهتمام في المستقبل القريب. قد يكون نظام الترخيص الطوعي الذي تفضله المملكة المتحدة وغيرها من الدول الغنية غير كاف. على الأقل، يجب على صُناع السياسات النظر في التراخيص غير الحصرية ونقل التكنولوجيا، كما اقترح جون آرني روتنغن، الذي يرأس تجربة منظمة الصحة العالمية للتضامن لعلاجات كوفيد 19. ومع ذلك، لا يزال أمامنا عائقان مُباشِران. أولاً، هناك تحديات في مجال التصنيع تتعلق بزيادة سرعة الإنتاج. يختلف كل لقاح عن الآخر ويعتمد على عمليات بيولوجية وكيميائية ذات فعالية غير مُستقرة يصعب أحيانًا توسيع نطاقها. يقتضي إنتاج اللقاحات إشرافًا مُكثفًا ومراقبة الجودة. يمكن التخفيف من حدة هذه المشاكل مع تحسن التصنيع وبدء إنتاج المزيد من اللقاحات – بما في ذلك اللقاح المُعتمد حديثًا الذي طورته شركة “جونسون أند جونسون” الأمريكية.
ويتمثل التحدي الهائل الآخر في قومية اللقاحات. قامت الدول الغنية بتخزين جرعات اللقاح ضد فيروس كوفيد 19 أكثر مما تحتاج إليه، وتتنافس الحكومات الأخرى أيضًا لإثبات أنها تعمل على شراء الإمدادات الكافية لمواطنيها. في وقت سابق، خطط معهدان للبحوث البرازيلية لإنتاج ملايين الجرعات من لقاحات “أسترازينيكا-أكسفورد” و”سينوفاك” الصينية، لكن تأخيرات غير مُبررة في شحنات المكونات الحيوية من الصين أعاقت الإنتاج.
وقد كان “معهد سيروم الهندي”، أكبر مُصنع للقاحات في العالم، يهدف إلى إتاحة أكثر من 300 مليون جرعة لصالح 145 دولة من خلال مبادرة “كوفاكس” في النصف الأول من عام 2021، قبل تلقي الأوامر من الحكومة الهندية مؤخرًا بتلبية الاحتياجات المحلية أولاً. ومع ذلك، هناك بعض العلامات المُشجعة على التضامن بشأن توزيع اللقاحات. فقد قامت 47 دولة، فضلاً عن الاتحاد الأفريقي الذي يضم 55 دولة عضوًا، بعقد صفقات اللقاحات المُضادة لفيروس كوفيد 19 مع الصين أو الهند أو روسيا، أو عُرضت عليها صفقات مماثلة. وقد شحنت الهند ما يقرب من 6.8 مليون جرعة مجانية في جميع أنحاء العالم، وتعهدت الصين بمنح حوالي 3.9 مليون جرعة، وتُقدم إسرائيل 100.000 جرعة.
تعهد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بالتبرع بمعظم الجرعات الفائضة في بلاده للبلدان الفقيرة. كما يقدم بعض قادة مجموعة الدول السبع الآخرين – بما في ذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون – تعهدات مماثلة، على الرغم من رفض الحكومة الأمريكية القيام بذلك في الوقت الحالي. يجب على حكومات الدول الغنية الوفاء بوعودها التضامنية. يتعين عليها التبرع بجرعات اللقاح على الفور لحماية العاملين في مجال الرعاية الصحية في الخطوط الأمامية في البلدان المُعرضة للخطر. إنها بحاجة إلى المساهمة بشكل أكبر في مبادرات “آكت” و “كوفاكس” لضمان توزيع عالمي حقيقي. كما يتعين عليها العمل مع شركات الأدوية في بلدانها لتقديم صفقات ترخيص غير حصرية وأكثر شفافية. فقط هذا المستوى من التضامن يمكنه النجاح في استعادة النمو العالمي.

** عميد كلية بلافاتنيك للإدارة الحكومية بجامعة أكسفورد.
** خدمة بروجيكت سنديكيت