القوانين موجودة لكن من يراقب تنفيذها؟

علي بن راشد المطاعني –

في الوقت الذي‏ ترسخ فيه مفهوم دولة المؤسسات والقانون باستكمال الأطر والتشريعات في البلاد وإضفاء التعديلات عليها بما يتواكب والتطورات في المجتمع وما يشهده العالم من متغيرات متسارعة يتطلب مواكبتها المضي قدمًا بالوتيرة نفسها، إلا أن ما نحتاجه اليوم على ما يبدو ليس القوانين في حد ذاتها فهي موجودة، إنما آلية تنفيذها على أرض الواقع وبما يحقق الهدف منها ويجسد قولًا وفعلًا مقولة أننا بالفعل دولة المؤسسات والقانون، فهناك قصور كبير واضحة معالمه في تنفيذ القوانين لعدم وجود جهة ما منوط بها مراقبة تنفيذ ما يصدر من التشريعات في كل المجالات الحياتية التي تمس المواطن والمقيم وتصوب الجهات المعيقة لتنفيذها.
لذا فمن الطبيعي أن لا نلمس بأن هناك تطورا ملحوظا بمسار العمل في العديد من المجالات، هذا من جانب، وتذمرا من شرائح واسعة من المجتمع من جانب آخر، كل ذلك يفضي منطقيًا لتأخرنا عن مسيرة الركب التي نتطلع إليها مثل بقية الدول والشعوب، الأمر الذي يحتّم سرعة إيجاد جهة تعمل على مراقبة التشريعات في البلاد وتنفيذها على أرض الواقع.
بلا شك أن تطور الأمم والشعوب يأتي من تطبيقها للأنظمة والقوانين على الجميع، فليس هناك من هو فوق القانون مهما كان وأي كان، لذا فإن القانون المنظم للحياة بكل تفاصيلها هو الأداة التي يقاس بها تحضر الأمم والشعوب على مر الأزمان والعصور.
وبما أننا نعيش نهضة متجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – فنحن في أمس الحاجة لبلورة رؤى واضحة وأكثر ديناميكية وفاعلية إزاء تطبيق القوانين والتشريعات الصادرة في الكثير من المجالات بعضها عائد لسبعينات القرن الماضي ولا تزال تنتظر تطبيقها على أحر من الجمر.
وفي اعتقادنا بأن النهضة المتجددة لا يمكن أن تحقق ما نصبو وما تصبو إليه ما لم نلتزم حرفيا بتطبيق القوانين بحسم ومحاسبة المقصرين عن تنفيذها مقترنة بالآليات القادرة على فرضها على الجميع وبدون أي استثناء يذكر، فالمنظومة القانونية ستبقى أبدا هي السياج الواقي لأي تنمية ننشدها، وهي الحصن الحصين لأي رؤية نرغب صادقين في أن تحقق أهدافها في هذا الوطن العزيز.
فالنظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني السامي رقم 6/ 2021 ‏وما أكد عليه من حقوق وواجبات وتأطيره وتوضيحه للمبادئ التي قامت عليها السلطنة ودورها في إرساء العدالة ودعائم الحق والأمن والاستقرار وتعزيز الحقوق والواجبات ودعم مؤسسات الدولة وترسيخ مبادئ الشورى، كلها مبادئ تحتاج إلى ضبط إيقاع الكثير من التشريعات التي صدرت والوقوف على مدى ملامستها لأرض الواقع وتحقيقها للغايات المنشودة في إطار منظومة دولة المؤسسات والقانون.
إن عدم تطبيق القوانين والتشريعات يجعل المواطن ينظر بحسرة لبعض الممارسات المعطلة للقوانين ومتجاوزة ومتحدية لها، مما يخلف إحساسا بطعم المر على اللسان والوجدان.
إن ما تعانيه القوانين من أوجاع ممثلة في الاستثناءات والمجاملات ستظل هي العقبة الأكثر إيلاما، ولن تقوم للقانون قائمة إن لم يصل الجميع إلى مفهوم متفق عليه وواجب الإتباع بأنه وجد لينفذ كما هو نصًا وروحًا، وإذا ما اقترن بالاستثناءات فهو بالتالي ليس بقانون ولنطلق عليه أي تسمية أخرى.
ونتيجة لذلك فمن المؤسف القول بأن البعض أضحت لديه مناعة طبيعية ضد أمصال القوانين، وبما أنه كذلك فمن الطبيعي أن لا يعيرها أي اهتمام يذكر أو مجرد نظرة حانية، أليست تلك حالة يمكن وصفها بالخطيرة.
كما أن عدم إصدار اللوائح التنفيذية المصاحبة للقوانين لسنوات طويلة يُعد حجر عثرة إضافية في تعطيل إنفاذ القوانين، ولا ندري لماذا يتم تعطيل صدور اللوائح التنفيذية في الواقع، فهذا التراخي نحسبه العقبة الكأداء التي تنصب في وجه القوانين لضمان عدم تنفيذها لاحقا، هي نقطة تحتاج لتسليط أضواء باهرة عليها في هذا الوقت بالذات، ومن بعد مراجعة القوانين الصادرة على مدى نصف قرن خلت. نحن في الواقع لا نعلم إن كان جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة من ضمن اختصاصاته متابعة تنفيذ القوانين الصادرة بمراسيم سلطانية سامية أم لا، فالجهاز لم يفصح عما إذا كان قد راقب تنفيذ قوانين ووجه جهات حكومية بذلك.
بالطبع هناك قوانين وأنظمة مطبقة بالفعل وتعمل مختلف الجهات على تنفيذها تلك حقيقة لا ننكرها، إلا أنه وفي المقابل هناك الكثير من الأطر تم تجاوزها وتجاهلها لعدم وجود رغبة جدية في تنفيذ ما تحويه من قوانين وتشريعات وهذه حقيقة أخرى.
نأمل إيجاد جهة مسؤولة عن متابعة تنفيذ القوانين والأنظمة وأن تملك كل الصلاحيات لمراقبة تنفيذها، عندها يمكننا أن نراهن على تطور المجتمع بنحو مطرد وفي الوقت ذاته نرسي العدالة كما ينبغي وكما تستحقه دولة بحجم ووزن سلطنة عُمان.