في إشكاليات «الليبرالية العربية»

محمد جميل أحمد*

ربما كان من الغريب حقًا، أن يظل اختبار دلالة الهويات الفكرية لبعض تيارات السياسة في المنطقة العربية وخلفياتها المتصلة بالحداثة السياسية، حتى الآن، في مكان غامض وعصي عن التعيين، أو يمكن القول فيه: إنه مكان يمكن أن وصفه بالمصطلح الاعتزالي القديم، أي في: (المنزلة بين المنزلتين)!.
ذلك أن الاختبار الفكري والحياتي لأصول المفاهيم الفلسفية المتصلة في علاقاتها بالسياسة والحياة، لا نكاد نرى لها تيارات تعبيرية راسخة من خلال تجارب دالة على المفهوم الذي يمكن اختباره من خلال تمثيل التجربة والتاريخ الجماعي.
فإذا أخذنا مفهوما كمفهوم الليبرالية، قد لا نقع اليوم على معنى دقيق حيال ممارسة تاريخية وجمعية راسخة بالمفهوم الفلسفي السياسي لليبرالية العربية، بما يمكننا القول إن ثمة أفرادًا وثمة أفكارًا للتعبير عن ذلك المفهوم، لكن تمثيل التجربة الجماعية لليبرالية كتيار ينعكس من خلاله ذلك المفهوم ويتبلور فهذا غير متعين بوضوح حتى الآن.
إن السياق التاريخي للحالات الليبرالية الجنينية (التي لا تمكننا من المجازفة بالقول إنها تيار ليبرالي)، ظل باستمرار يعكس اهتزازًا وغموضًا، بل وحتى انتكاسات وانقطاعات وتبدلات غير مبررة أحيانا في إطار ذلك السياق!.
وفي تقديرنا أن التمثيل الذي عكس عدم التكافؤ غير السعيد بين حضارتين كشف اللقاء بينهما عن تعبيرات صراعية من خلال علاقات هيمنة، (كان أبرز تجلياتها السياسية في حقبة الاستعمار) هو ما يمكن أن نعبر عنه بالمسار الذي عكس لنا طبيعة معوقات كثيرة غابت معها صيرورة التمثيل الجماعي للتجربة الليبرالية العربية على ذلك النحو الذي يمكن أن يؤسس لتنظير فلسفي راسخ وتعيين جماعي تاريخي للتجربة الليبرالية بطريقة مختلفة عما بدت عليه تلك التجربة خلال تمثيلاتها السياسية التي كان مجازها المنقطع في التجربة المصرية -على سبيل المثال- واضحًا.
فما سمي بالحقبة الليبرالية في مصر خلال الوجود الاستعماري الذي طفت على هامشه حياة عامة وصفت بالمرحلة «الليبرالية»، لم تكن في الحقيقة مصهرًا تاريخيًا لأي صيرورة معبرة، سواءً: عن تنظير فكري وافر، أو عن تاريخ جماعي مؤسس على تلك الرؤى التنظيرية والفكرية المفترضة!.
والحال؛ إن التمثيلات الفردية لبعض الليبراليين في تلك الحقبة المصرية خلال النصف الأول من القرن العشرين، كـ(لطفي السيد وطه حسين)، بدت بذاتها أكثر دلالةً على غياب أي توصيف للتعبير النظري والتجربة التاريخية لما يمكن أن يسمى تيارًا ليبراليًا مصريًا، ناهيك أن يكون تيارًا عربيًا!.
وبدخول المنطقة العربية في مرحلة الانقلابات العسكرية منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين بدا واضحًا أن التأثيرات الأيديولوجية لتيارات ما يمكن أن يوصف «اليسار» و«اليمين» هي الأعلى صوتًا من خلال تعبيرات سياسية، لكنها، في الوقت ذاته، بدت على ذات التمثيلات الشكلانية للحداثة السياسية، الأمر الذي عكس غيابًا حتى لتلك الأشكال الجنينية للاتجاه الليبرالي إلا في حالات فردية خجولة.
أما في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، ومع ظهور ما سُّمي بـ(الصحوة الإسلامية) منذ عام 1979 (وهو عام مفصلي من حيث آثار أحداثه التي امتدت حتى نهاية القرن وبداية الألفية الثالثة) فقد لعبت انتقادات الإسلاميين، القائمة على خطاب هوية طهوري ومضلل في نقده لـ«الليبراليين»، دورًا كبيرًا في التأثير على البعض حيال نقد «الليبراليين» وكان وجه المأزق المضلل لنقد الإسلاميين هو في ظنهم أن ثمة وجودًا لتيار ليبرالي فيما الحقيقة أن ذلك الوجود، الذي وصفنا طبيعته، بدا أقرب إلى الوجود الفردي منه إلى الوجود الجماعي!.
في التسعينيات، ومع انهيار المعسكر الاشتراكي، شهدنا ظاهرة المتحولين من الماركسيين العرب، بصورة فردية، كـ(العفيف الأخضر) إلى اختيار النهج الليبرالي، لكن بدون أي حيثيات قطيعة معرفية أو فكرية مقنعة لتحولاتهم، سوى ما يمكننا من القول بأنها كانت قفزًا من مركب انهيار المعسكر الاشتراكي الآفل في ذلك الوقت!.
هكذا يمكن القول إن التجربة الليبرالية لا يزال يتعين عليها الكثير لكي تعبّر عن نفسها من خلال سياق مفاهيمي وحياتي يغطي لها فرزًا واضحًا عبر حيثيات قوة تعبيرية من خلال هوية راسخة، الأمر الذي سيقودنا، بالضرورة، إلى وضع تلك التجربة في السياق العام للتجارب الأخرى في المجال السياسي العربي لظواهر الحراك الحزبي المتصلة بالاتجاهات الفكرية، سواءً أكانت: يمينية أو يسارية أو ليبرالية، ذلك أن الإشكالات لا تزال حاضرة وقوية.