المفكر والمؤرخ والفقيه الدستوري

عبدالله العليان*

فقدت مصر والعالم العربي الأسبوع المنصرم، أحد أعلامها ومفكريها الكبار، المستشار طارق عبد الفتاح البشري، الذي وافته المنية نتيجة وباء كورونا عن عمر يناهز الـ 88 عاما بالقاهرة، وهو المشهود له في العمل القانوني والدستوري لعقود طويلة، إلى جانب البحوث والدراسات والمؤلفات التاريخية والفكرية والسياسية، تعرفت على المستشار البشري من خلال الندوات والمحاضرات التي تعقد في قاهرة المعز، في فترة دراستي الجامعية في النصف الأول من عقد الثمانينات، من القرن الماضي، سواء الندوات التي تقام على هامش معرض الكتاب السنوي بالقاهرة، أو في الندوات الفكرية والسياسية الأخرى التي تقيمها بعض الهيئات والمؤسسات الفكرية والثقافية، ثم تابعت المستشار الراحل في العديد من مؤلفاته وأبحاثه التي ركزت على قضية الوحدة الوطنية، وعلى العروبة والإسلام، وقضية المشروع النهضوي العربي الديمقراطي، وكذلك بحوثه ودراساته التي اشترك فيها مع آخرين من خلال ندوات مركز دراسات الوحدة العربي في بيروت، خاصة في قضايا التجديد الحضاري، وحصيلة العقلانية والتنوير، أو في مجال المواطنة في العمل والممارسة السياسية، كما انشغل ـ رحمه الله- بالقضايا القانونية والفقهية الدستورية في الواقع العربي الإسلامي، باعتباره من المتخصصين الأكفاء، كما قال عنه الصحفي المعروف محمد حسنين هيكل:(قبل ثورة ٢٥يناير ٢٠١١):(إن البشري ربما كان أهم فقيه قانوني تحصل عليه مصر منذ السنهوري).
كما اهتم بالجانب التشريعي الإسلامي وتأصيله فكريا وقانونيا منها: الشريعة الإسلامية بين المفهوم والممارسة، وحركة تشكل الجماعات السياسية، الإسلام والعصر: ملامح فكرية وتاريخية، وغيرها من الدراسات والمؤلفات التي تتعلق بالتاريخ المصري والعربي المعاصر وحركة التجديد وشخصياته في الإصلاح السياسي والفكري. بدأ المستشار طارق البشري حياته الفكرية أقرب للفكر اليساري، والاتجاه القومي والوطني، وكانت مؤلفاته وأبحاثه في هذا الاتجاه، مثله مثل صديقه الحميم المرحوم د. محمد عمارة، لكنهما تراجعا بعد ذلك، وأصبحا أكثر اقترابا من الفكر العربي/ الإسلامي، وهذا ما برز في كتاباتهما في العقود الأخيرة من القرن العشرين.. واهتم المستشار البشري بقضية (العروبة والإسلام)، عندما وجد بعض الكتابات الاستشراقية، والبعض ممن له بعض التوجهات التغريبية، لإبعاد مضمون الالتحام العضوي والفكري بين الإسلام والعروبة.. ففي كتابه (التجدد الحضاري: دراسات في تداخل المفاهيم المعاصرة)، يرى البشري، أن ما يجعل العروبة والإسلام أهم من كثير من الآراء التي تريد أن تقسم هذه الروابط الكبيرة بينهما، لكن في رأيي إن: « الإنجاز التاريخي للحركة القومية أنها أوثقت الروابط بين المسلمين وغير المسلمين من أبنائنا، وكفّت أذى الفرقة والانقسام من هذه الزاوية، وكفّت احتمالات التدخل من الدول الكبرى والقوى الطامعة بين أبناء الوطن الواحد، وكفّت هذه الاحتمالات التي عرفها التاريخ العثماني، والتي تحققت منذ القرن التاسع عشر على ما هو معروف». ويضيف المستشار طارق البشري، أن الفكر الإسلامي من خلال بعض العلماء والمفكرين العرب، لهم من الآراء الرائعة، في صدد التلاحم بين العروبة والإسلام، وليس التفكك والتشرذم، فما يجمع بينهما أكبر من أن يفرق، ويقول ان هذا:« خليق بضمان حقوق المواطنة للأقليات غير العربية، وهو خليق أيضا بضمانها لغير المسلمين من المواطنين. وإذا كانت مساواة غير المسلمين بالمسلمين هي من صميم المفهوم العروبي لا ينفك عنها من دون أن يفقد بعض جوهره، فإن سيادة الفكر الإسلامي لا يلزم عنه تقرير عدم المساواة.. فالمهم ـ بحسب رؤية المستشار طارق البشري ـ أن ينظر ذوو التوجه الإسلامي إلى العروبة بوصفها واحدا من مكونات انتمائهم الشامل، وأن ينظر العروبيون إلى الجامع الإسلامي باعتباره جامع نضال تحريري وتضامنا يجري بين الشعوب ذات تكوين عقائدي واحد وذات وشائج تاريخية وحضارية تقيم منهم جميعا عروة وثقى».
وفي ندوة «الحوار القومي ـ الإسلامي»، والذي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المعهد السويدي بالإسكندرية عام 2007، قدم المستشار الراحل طارق البشري بعنوان (المواطنة والجامعة السياسية)، تحدث فيها عن دور الجماعة الوطنية السياسية في الوطن الواحد، وأن المواطنة هي تجمع هذه الجماعة السياسية بكل مكوناتها المختلفة والمتنوعة، وترى الدولة أن هذه الجماعة يجمعهم الانتماء الوطني، وأنهم في نظر الدولة تعتبر جماعة واحدة، مع اختلاف التنوع والتعدد،:«إن المجتمع أي: مجتمع يتكون من وحدات انتماء أو دوائر انتماء لا حصر لها، وهي تتنوع من حيث معيار التصنيف الذي جمع الأفراد في كل منها، فيكون أساسها الدين أو المذهب أو الطريقة الصوفية أو الملّة أو المشرب الثقافي أو الطائفة أو يكون أساسها اللغة أو اللهجة أو نوع التعليم أو المهنة أو الحرفة أو يكون أساسها معيار العمل الوظيفي لجيش أو جامعة أو غيرهما أو يكون أساسها الإقليم أو الحي أو القرية أو الجهة أو يكون أساسها النسب إلى قبيلة أو عشيرة أو أسرة».
ويضيف المستشار طارق البشري، في مسألة الجماعة الوطنية في البلد، أنها ليست جامدة في التوجهات، وفق أسس الدولة ونظمها وتكوينها المؤسسي في إدارة الشأن العام مع كل الجماعات الوطنية،:«ضمن الوحدات أو الدوائر ليست متداخلة، ولكنها متغيرة ومتحركة بين بعضها بعضًا، كشأن كل الظواهر الاجتماعية، فهي ليست ثابتة الحدود على الدوام، وإن منها ما يضمر أو يضيق، وفيها ما ينمو أو يتسّع، وفيها ما تضعف قوته الجاذبة، كما تختلف وتتنوع العلاقات بين بعضها بعضًا، بما تزكّيه أوضاع المجتمع، وظروف التاريخ، وما يطرأ من أحداث».
وفي الكتاب المشترك المعنون بـ (إشكالية التحيز) ـ تقديم وتحرير د/ عبد الوهاب المسيري ـ وهو عبارة عن ندوة موسعة ببحوث ودراسات عن كيفية النظرة العامة للتحيز في كل المجالات الفكرية والثقافية والسياسية والتاريخية، وكان عنوان بحث المستشار البشري عن (التحيز في كتابة التاريخ)، حيث أشار في هذا البحث إلى مسائل التحيزات في الكتابة التاريخية، تحتاج من:«الباحث أكثر حذرًا في فرض مسلماته على المادة التاريخية، وأن يتفادى بقدر الإمكان فرض أحكامه المسبقة عليها، ويمكن أن يجتهد في تحويل مسلماته إلى تساؤلات وهو يتعامل مع مادته، وينظر فيما تجيب به المادة عليها، وأن يراقب ميولها ويوليها المزيد من الجهد في التحقيق فإذا كان يميل إلى القول إن جهة معينة هي من حرص على حرق القاهرة مثلًا، فعليه أن يفطن إلى هذا الميل ويولي هذه النقطة المزيد من التحقيق، كما لو أن الثبوت يجري على رغمه. وإذا كان يسلم أن الاقتصاد هو محرك التاريخ، فعليه وهو يتعامل مع مادته في فترة معينة وبأحداث محددة أن يضع لفظ «هل» قبل هذه المسلمة، فإذا لم تجب المادة المحققة على سؤاله بالإيجاب، فعليه أن يسلك واحدا من طريقين، فإما أن يعود إلى مادته يستكملها، وإما أن النظر في مسلمته».
وفي ندوة (نحو مشروع حضاري نهضوي عربي) وهو عبارة عن بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية عام 2000، بالمملكة المغربية والتي جمعت في كتاب مشترك. كانت ورقة المستشار طارق البشري تحمل عنوان:(التجدد الحضاري من منظور المشروع الحضاري)، ناقش الحاجة للتجديد في التحولات والمستجدات، من التطورات، التي تحتمت أن نجتهد لإصلاح واقعنا وأزمتنا الحضارية الراهنة فيرى أن:«التجدد مشروط ومحكوم بألا يفسد التكوين الحضاري العام وألا يشوهه، إن التجدّد إصلاح ويفقد الإصلاح وظيفته إن كان من شأنه إفساد التكوين المطلوب إصلاحه، فنحن مطالبون بالتجديد لأن التجديد شرط للبقاء ولاستمرار الوجود، ويتعين ألا يسمى تجديدًا ما يذهب بالوجود ويقضي عليه.
والتجديد أيضًا ينبغي أن يكون متوجهًا في الأساس إلى جوهر ما هو مطلوب استكمال الفاعلية فيه، مقاومة لخطر محدق أو تحقيقًا لصالح حيوي أو استدامة للأمن والاستقرار أو كفالة للنهوض والارتقاء، ولا نكتفي بالتصور الغربي.. بل يستجيب للمستجدات الطارئة، عن الأطر المرجعية المعبرة عن أوضاع الحضارة السائدة عن الجماعة». وفي كتابه «الملامح الإسلامية المعاصرة»، ناقش البشري، التحدي الذي يواجه الأمة من خارجها، بما ولدّه الغزو الاستعماري الفكري والثقافي، فـيقول:«إذا أردنا أن نستخدم تعبيرات (مالك بن نبي) المفكر الجزائري المعروف، فإن لواقعنا التاريخي جانبين: الاستعمار والقابلية للاستعمار، هو العدوان الخارجي الآتي إلينا من الخارج، عسكرياّ أو سياسيا أو اقتصاديا أو فكريا، أي هو أثر الخارج فينا، ذلك الأثر الذي يجري بغير رضائنا، وبغير صالحنا، والقابلية للاستعمار، هي هذا الوضع الذي نكون عليه والذي يمكن من غلبة الغير لنا، هو ما نتصف به من الضعف والتردي والجمود ووهن العزيمة واضطراب القيم والجهل، وغير ذلك مما يكون سببا بغلبة الطامعين فينا».
وقد عانى المرحوم المستشار طارق البشري في فترة حكم الرئيس حسني مبارك ـ كما يذكر د/ مصطفى الفقي في كتابه (شخصيات على الطريق)ـ عندما تم تجاوز أقدميته، فيقول«لابد أن أعترف هنا بأنني شعرت بغصة في أعماقي، وأسف شديد عندما جرى تخطي «طارق البشري» في رئاسة مجلس الدولة بطريقة غير مباشرة»، بعد أحداث 30 يونيو2013، انتقد طارق البشري التغيير بالقوة العسكرية للتغيير، في مقالة له بجريدة الشروق المصرية بتاريخ 22 يوليو، فتم توقيفه من الكتابة، وكعادة المستشار الراحل وطبيعته في الخلق النبيل، وأسلوبه الحضاري المعتاد في عدم الكلام والشكوى في قضايا كثيرة، فقد لزم بيته واعتكف للكتابة والقراءة والتأليف حتى توفاه الله تعالى.
رحم الله أبا عماد رحمة واسعة.