ستموت في العشرين… ميلاد السينما السودانية عالمياً

سليمان الخليلي –

لم يحظ فيلم سوادني كما حظي ستموت في العشرين، أحدث الأفلام السوادنية ضمن الأفلام الروائية القليلة، الذي أنتج عام 2019، وحقق الكثير من الجوائر في مهرجانات سينمائية كبيرة، ناهيك عن دخوله في سباق الترشيح لجوائز الاوسكار عن جائزة أفضل فيلم أجنبي.
وجود فيلم سينمائي روائي سوداني طويل يمثل حدثا مهما لكل مهتم بالشأن السينمائي بطبيعة الحال، بلد مقلة في صناعة السينما مع الإمكانيات الفنية الضعيفة، فما بالك بوجود فيلم حقق اسمه الإشادة في المحافل السينمائية بل اقتطع تذكرة الانطلاق بالسينما السودانية نحو إنتاج أفلام تنافس عالمياً.
المخرج أيمن أبو العلا، في فيلمه الروائي الطويل الأول، لم يجازف كثيرا في صنع فيلم صعب إنتاجياً، بل اختار بذكاء قصة تقع أحداثها في قرية سوادنية مع إظهار العادات والثقافة السوادنية.
ستموت في العشرين، فيلم ذو قصة بسيطة جميلة غير معقدة، متناسقة متزامنة مع الأحداث والحبكة والصراع مع وجود شخصيات محورية أساسية وشخصيات مساندة، القصة مبنية على ثقافة شعبيةواعتقادات وعادات وتقاليد لمجتمع محافظ يؤمن بكلام الشيوخ كأنه أمر مقدس، الشيخ الذي يذهب إليه أهل القرية للحصول على بركاته وكراماته، مزمل بطل الفيلم حينما كان رضيعا تحمله أمه لذلك الشيخ مع أهل القرية أشبه باحتفال، الذي تنبأ لها بفأل سيئ، سيموت حينما يبلغ العشرين من عمره، هنا تبدأ قصة الصراع بين الحياة والموت.
جمالية قصة الفيلم هو حضور الموت قبل حدوثه، والمضحك المبكي المقبل على الموت الشاب مزمل الذي يعيش في عالم منزوي منطوي على نفسه، يرى التحضير والتجهيز من أجل موته، الاستعداد لكفنه ودفنه، وتحديد موقع قبره، والكل في القرية يعرف موعد موته حينما يصل الرقم عشرين من عمره، ويسموه باسم “ود الموت”، حيث يعيش في صراع مع نفسه ومجتمعه وحياته.
حاول صانع الفيلم أن يضع شخصيات مختلفة متابينة فيما بينها رغم التشابه في مجتمع محافظ سواء بالتقاليد والفكرة والملابس وأسلوب الحياة، والشخصيات الرئيسة في الفيلم المحيطة بالشاب مزمل الشخصية الرئيسة الحاضرة في أغلب مشاهد الفيلم الذي يربط الجميع في عالمه، مزمل وأمه والموت، مزمل وسليمان والتمرد، مزمل ونعيمة والحب، مزمل وأبوه والهروب.
الشخصيتان المهمتان في حياة مزمل، رغم حضورهما القوي ولم تحظ بحقهما في التعمق والتأثير، شخصية الفتاة التي تحب مزمل نعيمة، فتاة منطلقة للحياة طموحة حالمة لديها شرارة التمرد والاستقلالية والقوة ولم تعط المساحة لإظهار قوة هذه الشخصية، شخصية سليمان، الرجل الذي يمثل الشر بأفكاره والمضاد للمجتمع المحافظ، شخصية متناقضة درامية تعكر صفوة القرية ذات المجتمع المحافظ الذي لا يقبل أي شيء يتعارض مع الدين، حيث ينقد الدين ويشرب الخمر ويمارس علاقات غير شرعية، هذه الأفعال وضعت مزمل في تناقض حيث هو تعلم حفظ القرآن، ويعيش محافظا كحال أهل القرية. كما أن سليمان يمثل محاولة جريئة غير مباشرة بإدخال شيء من الثالوت المحرم السياسة والجنس والدين، وهنا كان من المفترض أن نشاهد صراع المجتمع المحافظ المتدين ضده لكن خلت من أي ردة فعل، فقط نسمع جملة حوار صغير من سكينة الأم لمزمل تنصحه بعدم التعامل معه كونه (سكار خمار وسمعته في الطين)، هنا كان يجب أن يعطى عمق أكبر لهذه الشخصية المفترض أن تكون رمز التناقض للمزمل ورمز الكفاح ضد مجتمع محافظ ورجعي كما يصفه، الرجل الذي يعطي الحياة لمزمل أبعد من حدود القرية، الحلم بالسفر، مشاهدة الأفلام، وتعلم الرياضيات، عيش الحياة المتبقية.
الناحية الجمالية للفيلم، هي الموقع، موقع بكر لم تستهلكه الكاميرا كثيرا، يمتلك مناظر جميلة يمكن توظيف السونوغرافيا لإخراج لقطات جميلة بلمسات فنية، هنا لم يستغل المخرج هذه الميزة القوية، وأفتقد الفيلم للقطات فنية جمالية، لكن ذلك لا يعني بأن المخرج أهمل الجانب الفني بل نشاهد عددا من اللقطات الرمزية التي أعطت قوة في المعنى، كاللقطة الأولى نجد البقرة النافقة وجنبها نسر جائع ويظهر الجموع تمشي في خلفية المشهد تدل على الجوع والعطش وصعب الحياة وقلة الرزق، ولقطة رمزية جميلة تعبر عن امتداد زمني تقلص في ثوانٍ يظهر مزمل الطفل والأم ومزمل الشاب، وكذلك لقطة رمزية جميلة وقوف الأم تلبس السواد وتنظر للأمام بين نساء يلبسن الأبيض وعليهن الطربوش الأحمر ينظرن للخلف، وثمة عدد من اللقطات الرمزية الجميلة التي تدلنا على الصراع الأبدي بين الحياة والموت.
سيموت في العشرين، فيلم جميل بعيد عن التعقيد يستحق المشاهدة لسينما تلامس العالمية به، ولنتابع الفيلم لنعرف هل سيموت المزمل في عمر العشرين؟؟.