“قرن الأوبئة”…كتاب لعالم بريطاني يؤرخ لجائحات المائة سنة الأخيرة

ميونخ “د ب أ”:- داهمت العالم مرارا وتكرارا في المائة عام الأخيرة أوبئة مدمرة مثل الإنفلونزا الإسبانية والإيبولا والإيدز، وقد صدر للمؤرخ الطبي البريطاني مارك هونيجزباوم كتاب بعنوان ” قرن الأوبئة…مائة عام من الذعر والهيستريا والعجرفة” تناول فيه أوجه الشبه والاختلاف مع أزمة كورونا الحالية ووضع تحليلا للسبب الذي جعلنا عرضة لانتشار مثل هذه الأمراض على هذا النحو.
ربما كانت جائحة كورونا الحالية بالنسبة لكثير من الأشخاص في أوروبا هي أول وباء أصابهم على نحو قوي وبشكل مباشر منذ فترة طويلة، لكن العالم ـ أو أجزاء واسعة منه ـ تعرض مرارا وتكرارا في العقود الأخيرة للأمراض المعدية مثل الإيدز أو سارس أو إيبولا أو زيكا. ويتعرض هونيجزباوم في كتابه الجدير بالقراءة للعديد منها حيث تشير كلمة قرن في عنوان الكتاب إلى الفترة الزمنية بين 1918 و2019.
ولا تزال جائحة سارس-كوفيد-2 محل دراسة وستظهر بعد قراءة الكتاب من منظور مختلف بعض الشيء. ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى أن المؤلف لا يعطي مجرد لمحة عامة بسيطة ومتزامنة عن أوبئة مختلفة بل إنه يقدم توثيقا دقيقا اعتمد على بحث استمر على مدار عشرة أعوام لمسارات هذه الأوبئة، ومنها وصف الحالات الأولى المحيرة وأعمال التحري لبعض الباحثين في البحث عن سبب الوباء والطرق الخاطئة في التعامل مع الوباء وتأثير جماعات الضغط القوية التي تخوفت على امتيازاتها.
وتتسم أجزاء كبيرة من الكتاب بأسلوب أكثر إثارة من القصص البوليسية لاسيما وأن كل قارئ يضع نصب عينيه الموقف الراهن.
غير أن هونينجزباوم لم يكتب كتابا شيقا وحسب بل إنه أيضا كتاب ذكي للغاية؛ حيث يعرض فيه بشكل مفصل مدى الاختلاف الشديد بين الأوبئة الفردية وبعضها البعض، لكن الشاغل الرئيسي للكاتب هو إبراز تلك العوامل التي ساعدت على نشأة الأوبئة وأخفت كشفها وصعبت من مكافحتها، وثمة أوجه شبه كثيرة في هذا الشأن.
وكتب هونينجزباوم أن ” كل هذه الأوبئة أظهرت مدى السرعة التي يمكن أن ينقلب بها العلم الطبي المعترف به رأسا على عقب مع ظهور حالات مرضية جديدة، ومدى النجاح الاستثننائي لمثل هذه الأوبئة في نشر الذعر والهيستريا والخوف طالما استمر عدم وجود نتائج معملية ولقاحات فعالة وأدوية ناجعة”.
وكثيرا ما صَعَّبَتْ التقديرات الطبية الخاطئة من فرص توضيح أسباب الأمراض، وساق الكتاب مثالا على ذلك بما أعلنه عالم البكتيريا الألماني صاحب التأثير ريشارد بفايفر (1858-1945) من أن الإنفلونزا الإسبانية عدوى بكتيرية، وأنه عثر على سبب هذا الوباء في بكتيريا المُسْتَدْمِيَة التي اكتشفها (هي جنس من البكتيريا تتبع الفصيلة الباستوريلات من رتبة الباستوريليات).
وفي غرب افريقيا ظل العديد من الخبراء وحتى منظمة الصحة العالمية في 2014 يرفضون على مدار فترة طويلة افتراض حدوث تفش لوباء إيبولا وما صاحبه من عواقب وخيمة. وفي مرض الببغائية (حمى الببغاوات) الذي سببته طيور في عام 1930، حَمَّلَتْ جمعية مربيِّ الطيور الأمريكية المسؤولية عن هذا المرض لخيال الصحافة، كما جاء مرض الإيدز كمثال على مدى السرعة التي يمكن بها لجائحة أن تصم أقلية.
يوضح كتاب هونيجزباوم مدى ارتباط الأوبئة بعوامل مجتمعية وطبية وتاريخية معاصرة، وجاء على رأس هذه العوامل بالنسبة للكاتب الجانب البيئي، لأنه بغض النظر عن الوباء سواء كان مرض الببغائية أو الإيدز أو الإيبولا أو سارس، هناك ظروف بيئية تسهل انتقال مسببات المرض من عالم الحيوان إلى الإنسان. كما أن الطريقة الحياتية للبشر هي التي يمكنها أن تهيئ لمسبب المرض التنقل سريعا حول العالم.
ورأى هونيجزباوم أنه ربما كان للغطرسة البشرية دور أيضا في وقوع الأوبئة ونقل عن الطبيب وعالم الميكروبات البارز رينيه دوبوا (1901-1982) قوله ” يعتقد الإنسان الحديث أنه ارتقى إلى درجة أصبح عندها سيدا كاملا على قوى الطبيعة التي شكلت تطوره في الماضي وأنه صار بإمكانه التحكم في مصيره البيولوجي والثقافي، غير أن هذا يمكن أن يثبت أنه وهم، فهو مثل كل الكائنات الحية الأخرى، جزء من نظام بيئي معقد للغاية مرتبط بكل مكوناته عبر أواصر لا حصر لها”.
وثمة تشوق لرؤية الكيفية التي سينظر بها المؤرخون إلى الجائحة الحالية (كورونا) بعد مضي بضعة عقود.