نوافذ: قولوا لعين الشمس

بشرى خلفان

كنا في بدايات خريف ٢٠٠٢، نقضي ليلة طيبة في قرية بجبل لبنان اسمها «حمانا»، ونحن نشرب شاي الزهورات، وضعت مضيفتي أسطوانة لتسجيلات أغاني شادية، التي أحب، استمعنا للطرب في صوت شادية وغنجها، ثم حان وقت الشجن، فانسكب مُرًّا، عندما بدأت تغني «قولوا لعين الشمس»، فغنيتها بما يليق بمقام ذاك الشجن.
مالت مضيفتي الكيّسْة عليَّ وقالت: «أنا أكره هذه الأغنية»، سألتها لماذا؟ فهذه أغنية من أجمل ما غنت شادية، قالت لي: «كانت إذاعة جيش الاحتلال تبث هذه الأغنية على مدار الساعة بعد هزيمة ١٩٦٧، والجنود المصريون منتشرون تحصدهم الطائرات في صحراء سيناء».
ثم بغضب أضافت: أرادوا أن يكسروا معنوياتنا بأغنية تحمل إرثا نضاليا، ما زال يسكن في اللاوعي المصري.
تعود الحكاية إلى عام ١٩٠٦، عندما خرج بعض الضباط الإنجليز في رحلة لصيد الحمام في الرّيف المصري، وقرب قرية اسمها «دنشواي» توقفوا، وبدأوا بتوجيه رصاص بنادقهم على أبراج الحمام، حيث صودف وقوف زوجة مؤذن المسجد تنثر الحَب فأصيبت بطلق ناري، ثم اشتعل التبن في النار، فصاح إمام المسجد: «الخواجة قتل المرة وحرق الجرن.. يا ناس … الخواجة قتل المرة وحرق الجرن».
تجمهر أهالي القرية الغاضبين وبدأوا بإلقاء الحجارة على الضّباط الإنجليز، فرد الإنجليز عليهم بالرصاص، فقتل من قُتل وأُصيب من أصيب.
لكن أحد الضّباط الإنجليز أصابه الهلع، فهرب من المكان، وتاه في الأرياف، ومات متأثرا بضربة شمس.
تم اتهام سكان قرية «دنشواي» بقتل الضابط الإنجليزي، وحكمت المحكمة، التي ترأسها ناظر الحقانية بالإنابة وقت ذاك بطرس باشا غالي، بإعدام ستة من سكان القرية، من بينهم الإمام، والسّجن المؤبد للمؤذن زوج المرأة المقتولة، وجَلد عددا من سكان القرية وسَجنهم.
ولبطرس باشا غالي سجل حافل عند المصريين، ففي عام ١٨٩٩ صاغ ووقع اتفاقية الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري للسودان، بصفته وزيرًا للخارجية، وعندما تولى رئاسة الوزارة في ١٩٠٨ قدّم مشروعًا لتمديد امتياز شركة قناة السويس 40 عامًا إضافية، مما يعني أن القناة لن تعود للمصريين حتى عام ٢٠٠٨.
كما أنه قام بإحياء قانون المطبوعات الذي تم وضعه في عهد الخديوي توفيق عام ١٨٨١ إثر ثورة عرابي، ولم يُعمل به في وقتها، حتى يتمكن من مراقبة الصحف ومصادرتها، أو إغلاقها تماما عندما يتطلب الأمر.
كل هذه القرارات والتصرفات شكلت ضغطا على وجدان الشعب المصري، فاتهم بطرس غالي بالخيانة والعمالة للإنجليز، وفي ٢٠ فبراير ١٩١٠ تم اغتيال بطرس باشا غالي بإطلاق ست رصاصات عليه أمام وزارة الحقانية، واتهم الصيدلاني إبراهيم ناصيف الورداني، باغتيال الباشا، لم ينفِ الورداني التهمة، وأقر بأنّه اغتال بطرس غالي لأنه خائن للأمة.
هزت العملية الشارع المصريّ، كما بثت فيه الحماس، مستبشرا بزوال الاستعمار وطغمته الحاكمة، فاغتيال بطرس غالي يُعدّ أول اغتيال سياسي في مصر، منذ أن اغتال سليمان الحلبي الجنرال كليبر خليفة نابليون في حملته على مصر عام ١٨٠٠م.
وفي صباح ١٨ مايو ١٩١٠، اقتيد الورداني، وكان في ريعان شبابه، إلى ساحة الإعدام، فخرج المصريون رجالا ونساء في مسيرة تهتف «قولوا لعين الشمس ما تحماشي … لحسن غزال البر صابح ماشي».
كان الورداني البطل هو غزال البر في الهتاف، غزال البر الذي صار «حبيب القلب» بعد أن أعاد الشاعر مجدي نجيب كتابة الكلمات في ١٩٦٦، ولحّنها بليغ حمدي وغنتها شادية، لتصبح واحدة من أشهر أغانيها، وأقربها إلى قلبي.
بهذه الأغنية -وغيرها من وسائل الإعلام والدعاية الصهيونية- التي تُعيد إشعال جذوة الفعل النضالي في اللاوعي الجمعي، اختار العدو الصهيوني أن يكسر المصريين والعرب، ببثها عبر إذاعاته، وبين موجزات الأخبار التي تتلو هزيمة الجيوش العربية، وأخبار الأسرى والتائهين من الجنود المصريين في صحراء سيناء.
في مشوار هذا الصباح اخترت الأغنية، وعندما وصلت إلى هذا المقطع: «آه يا ناس آه يا ناس مطرح خطاويه ما تروح اسقوه بحنان..
اسقوه وردوا له الروح…..» شعرت بعطش شديد، ورأيت المشهد العربي بكل وضوح، ورمال الفرقة والهزيمة تحيط به من كل جانب.