تمثال الضحك أو المنسيون في الزمن

محمود الرحبي

راكم بدر الشيدي تجربة قصصية عبر أربع مجموعات متباعدة ” أشرعة الضوء” صدرت عام 1995 والثانية ” الصورة مرة أخرى ” صدرت عام 2014. هنا سأقترح وقفة لتأمل أسباب التباعد في إصدارات بعض الكتاب العمانيين. هل يتعلق الأمر بالبحث عن صيغ تقنية جديدة، أم لأن انشغالات الحياة تجعل الكتابة تحتل محلا متأخرا في الاهتمام، ولكن ما أن يتفرغ (الكاتب الموظف )ويركن إلى التقاعد إلا ونراه يوصل ما انقطع من مشاريع، وأحيانا بوتيرة متتابعة. ففي المجموعة القصصية الجديدة لبدر الشيدي “تمثال الضحك” الصادرة أخيرا عن منشورات مجلة نزوى نكون أمام ٢٧ قصة وهو عدد يبدو كبيرا، خاصة وأن الشيدي سبق وأن أصدر منذ وقت ليس بالبعيد عام 2018 آخر مجاميعه القصصية ” مساحة بلون الشمس” عن دار الغشام.
لا يبدو أن شأن البحث عن تقنيات جديدة ديدن الكاتب في هذه المجموعة بقدر ما يسعى إلى رصد التعدد في المضامين. نرى مثلا أن طريقة السرد تأخذ وضعا خطيا ( من البداية إلى النهاية) مع خلو من الوقفات الزمنية واللعب الفني.
على أن ما يجمع القصص من نسغ هو الشخوص المنسية وتعدد هوياتها بين المحلية وأخرى تنتمي لعالم الأسفار. سنجد هذه السمة في أغلب مجاميع بدر الشيدي القصصية، وجوه من القاهرة ومراكش والهند وغيرها تتوزع خريطة القصص، فضلا عن وجوه الحياة العمانية . يتضح ذلك أكثر في مجموعة “مساحة بلون الشمس” التي حضيت بعناية خاصة من الكاتب، ربما يعود السبب إلى أنها صدرت بعد انقطاع دام أربع سنوات.
مواضيع مجموعة ” تمثال الضحك” تتفاوت من حيث الحجم ومن حيث الجدة، حيث نجد قصة من صفحة ونصف وأخرى من ثلاث صفحات وثالثة من خمسة أسطر.
وقصص ” ساعة قبل الغروب” و”سيمياء الصمت” و” أغلقت الحاسوب” و”زيارة في العيد” و” خاتم سليمان” جاءت بين ثلاث وأربع صفحات. وفيها يتحلى الكتب بالتوسع والالتصاق الحميمي والقرب من شخصيات قصصه. وهي شخصيات تنتمي في الغالب إلى هامش الحياة وظلالها، قصية لا يتم العناية بها – في العادة – ( وتقريبها) إلا من قبل عين القاص الراصدة. كشخصية المؤذن الذي اعتاد أن يؤجر ميكرفون المسجد للأعراس، إلى تورط مرة ولم يستطع أن يؤذن لصلاة الفجر بسبب أن الذي أجره الميكرفون هرب به ولم يرجعه. وحارس الملهى الليلي الورع الذي تنقلب ساعة يومه رأسا على عقب فيعيش نتيجة لذلك غريبا عن عائلته والناس وينام في أي مكان بسبب التعب الشديد. وسائق سيارة الأجرة الذي اعتاد أن يرسل النكات إلى جميع الركاب دون أن يكون معنيا بالتعرف عليهم، وتكون في الغالب لديه نكتة واحدة دائما تجد جمهورها وذلك لأن الركاب يتغيرون ” كل مرة يقول حكاية ويعيدها مرات ومرات.. يستهل الحكي بعبارة اسمعوا عاد ياجماعة” . فما أن يوقف سيارته وتمتلئ بالركاب إلا ويبدأ في سرد نكتته التي يضحك عليها الجميع، وهكذا يفعل كلما تجدد راكب جديد إلى جانبه.
وفي قصة ” أحمر” تكون الأحلام حمراء بالكامل بسبب نسيانه للأباجورة الحمراء التي يتركها مشتعلة قبل النوم دون أن تدفعه الرغبة يوما لاطفائها قبل النوم. وفي قصة بخور نكون أمام حالة غريبة لشخص يركب سيارته وحيدا ولكن الناس يرون امرأة إلى جانبه يظنونها زوجته، ويحدث ذلك حتى حين يقرر أن يحمل معه صديقه، ستكون المرأة في الخلف وراءهما ولكن دون أن يراها إلا في أعين الناس.
تترصع بعض القصص بجمل هي في صلب عناية عين القاص التي تهتم باقتناص كل حركة ، مثلا من قبيل” يقف لينزع الكمة من رأسه ويعصرها بين يديه” دلالة على شدة الحرارة في المحيط. أو عبارة ” كانت الريح تعوي كذئب جريح في الخارج” دلالة على شدة الريح.
تظل مجموعة ” تمثال الضحك “لبدر الشيدي مشدودة أكثر إلى المواضيع وتنوعها، من انشدادها إلى اكتشاف طرائق وتقنيات جديدة. ولكن هذا البحث في الأفكار الغريبة يمكن أن يشكل هاجسا في حد ذاته. والنصوص التي جاءت في عدة أسطر بدت وكأنها إلماعات لمشاريع قصصية كانت تنتظر دورها ولكن الكاتب اكتفى بها ،وهما عموما ليست سوى قصتين ” قهوة” و ” عراك” .