هوامش ومتون : هلال العامري…سندباد الكلمات

عبدالرزّاق الربيعي
في تعريفه للشاعر، قال لي الشاعر هلال العامري الذي اختارته المنظّمة العربيّة للتربية، والثقافة، والعلوم (الألكسو) للاحتفال به في الدورة السابعة لليوم العالمي للشعر الذي يصادف في21 مارس من كلّ عام، في حوار أجريته معه قبل أعوام ” الشاعر سندباد الكلمات” قاصدا أنه في حالة إبحار متواصل، ولن يتوقّف عند نقطة معيّنة، منذ بدء رحلته حين أطلق شراع القصيدة للريح، منطلقا من “هودج الغربة” ديوانه الأول الصادر عام 1983، وهو بذلك يقترب من وصف الشاعر عبدالوهاب البياتي للشاعر بقصيدته (صورة للسهروردي في شبابه) :”صاح الشاعر ياربي، نفد البحر ومازلت على شاطئه أحبو، الشيب علا رأسي، وأنا ما زلت صبيّا لم أبدأ بعد طوافي، ورحيلي ”
من حيث إنّ الشاعر يظلّ في حالة بحث دائم عن ينابيع القصيدة، ولكن لو ارتقى جبل القصيدة هل توجد قمّة يصل إليها؟ أم سيظلّ مثل (سيزيف) في الأسطورة اليونانيّة ينوء بحمل الصخرة، فإذا وصل تدحرجتْ، وعادتْ إلى أقدام الجبل، ليعود إليها ثانية في رحلة عذاب مستمرّ؟ يقول العامري” القمة لن تاتي فكلّما بلغ الشاعر قمّة يشعر أنّه وصل إلى ميناء سيبحر منه إلى ميناء آخر، وبهذا الصدد يحضرني قول لتولستوي، عندما قيل له ” لقد وصلت أفكارك إلى حدود الدنيا ” قال ” لم أصل إلّا إلى نقطة البداية”، وتظلّ القصيدة تطارد الشاعر الحقيقي، وتقضّ مضجعه ، وتحاصر هدأته، ولن يستطيع الفكاك منها، مهما حاول، وزاد رحلته في ذلك القلق، كما يقول المتنبي:
على قلق كأنّ الريح تحتي
أوجّهها جنوبا أم شمالا
فالشعر هو استراحته ( في زمن القلق ) كما يشير عنوان كتابه الصادر عام1991 م، ولو ألقينا نظرة على عناوين دواوينه لرأينا عنايته في وضعها، بيسكب بعناوين نصوصه ، ودواوينه الكثير من ضوئه الشعري كما نرى في: (هودج الغربة) (الكتابة على جدار الصمت)، (قطرة حب دم للعذراء) (الألق الوافد)، و(رياح للمسافر بعد القصيدة) الذي يقول في مقدمته “جئت إليكم أبحث عن مساحة ناصعة البياض في سويداء القلوب .. أبحث عن شهوة الرياح في قمم النخيل السامقة فوجدت وردة حمراء في رياض القصائد .. قطرة نور في غبش يحاصره العسس .. جئت إليكم مبحرا بزورقي التائه في يمّ الكتابة علّنا نلتقي عند شاطئ البرهان لنشعل أفق الغد “و(للشمس أبابها كي تغيب) الصادر عام 1997 الذي رأت به الدكتورة سعيدة بنت خاطر تجربة مختلفة، وانتقال العامري إلى ” بناء فني مغاير، واستخدام طريقة مختلفة وتكنيك مختلف،ويتمثل ذلك في التحول إلى قصيدة الومضة أو اللقطة ومن هنا جاء قصر، وتكثيف وإيجاز قصائد الديوان”وأهداه إلى” فاطمة التي ذهبت ، فاطمة التي وُلدت..فيض من حب لأمل يقودنا إلى المجهول”!
وقد نلتقي
وفي قطرة من دمي
سأفرش كلّ الدواوين حين تجيء
وألبس كلّ القصائد عطرا
وأرسم بالضوء شكل الحصار”
وفيه يواصل نشيده، ورحلة “المسافر الذي لن يصل” عنوان قصيدته التي يهديها للشاعر سيف الرحبي:
مسافرك التائه لن يصل
عيناه معفّرتان بالدم
ووجهٌ للرياح الأربعة
– وماذا ترى؟
– لا الخيل خيلك ولا الليل فاكهة مشتهاة
وهذي البراري اتسعت
كل بريّة أفعى ”
وبعده لم يصدر شيئا، بل عكف، رغم وضعه الصحي الصعب، عافاه الله وشافاه، على جمع أعماله الشعرية التي أصدرها النادي الثقافي ضمن البرنامج الوطني لدعم الكتاب في مجلد نشرته دار الانتشار العربي ببيروت عام 2013 م.
واليوم ونحن نحتفي، عربيّا، بتجربة الشاعر هلال العامري، بالتفاتة كريمة من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، نعود إلى شعره، لنفحصه، ونتوقّف عند أسئلته ، وقلقه الوجودي، وهو يخوض في محيط الشعر المجهول مثل سندباد لن يصل!