البصيرة والبصر

عادل محمود –

قصة الأعمى مهمة بإيجازها وسخريتها: «أراد أعمى الذهاب إلى النهر القريب من بيته ليشرب. حمل معه مصباحاً. التقى بجيران سألوه لماذا المصباح وهو لا ينفعك؟ فأجابهم كي لا يصدمني المبصرون».
طوال سنوات الحرب، كانت سورية تعيش هذه التجربة الافتراضية العمياء… مبصرون يصطدمون بكل شيء، إلى الحد الذي جعلنا نظن أن سورية الجميلة والفتية والعاقلة، أصبحت مستوطنة للعميان: كان كل شيء يتدمر. ويكاد لا يبقى من عمرانها إلا الحيطان، ومن أبنائها إلا القاتل والقتيل.
كتبت، قبل ثماني سنوات تتمة لقصة الأعمى: في اليوم الأول اصطدم الأعمى بجثة. في اليوم الثاني سقط في حفرة قنبلة. في اليوم الثالث كسروا مصباحه. في اليوم الرابع اختطفوه، وطالبوا نقابة العميان بفدية مالية. في اليوم الخامس استراح على عرش زواله، وصار نسياً منسياً. ولم أعد أتذكر من الذي كتب هذا العنوان لكتاب أو قصيدة «سراج الأعمى» ولكنه، على الأغلب، هو صاحب تجربة أخرى، تهجو البصيرة الناقصة: «الأعمى الذي يصطدم بالجدار، يظن أنه وصل إلى نهاية العالم». وعلى الرغم من أن لدستويفسكي هذه النصيحة، فقد ضل المبصرون طريقهم» «اطمئنوا، اطمئنوا، فالجحيم يتسع للجميع. الأمر لا يستحق كل هذه المنافسة على من يكون الأسوأ فيكم».
كان الجاحظ جاحظ العينين من فرط التحديق في عالم يستحق الهزء به، ولذلك كانت عناوين كتبه تنطوي على الهجاء: «البخلاء، البرصان والعميان والعرجان والحولان، البغل، رسالة التربيع والتدوير، فضل الكلاب على الكثير ممن لبس الثياب، رسالة إبليس إلى إخوانه المناحيس».
إن خط إنتاج الحمقى لا يكف عن العمل: وقع زلزال في مصر في العهد المملوكي، فجاء أحد الشعراء إلى الحاكم وقال في مدحه: ما زلزلت مصرٌ من كيدٍ ألمّ بها لكنها رقصت من عدلكم طربا ثم يتابع خط الإنتاج حماقة أخرى بمرتبة جريمة لم يُعاقب عليها أحد: «صحفي أمريكي إبان الثورة الجزائرية ضد الفرنسيين.. طلب من أحد الجنود أن يقتل مجاهداً لكي يصور المشهد مقابل خمسين دولاراً.
الجندي الفرنسي.. قتل عابر سبيل».. ومع ذلك فإن الأعمى حامل المصباح كان ذا بصيرة. لعله أحد رواة الأسطورة السومرية: « الشامات الموجودة على خدود الناس تتحول، بعد الوفاة، إلى «شموع» تضيء ظلمة القبر».