واشنطن وطهران ..الطريق إلى الاتفاق النووي

عوض بن سعيد باقوير*

لكن في إطار المناوشات السياسية والإعلامية فإن الذي يحدث هو أمر طبيعي وسوف تتجه الأمور في نهاية المطاف إلى الجلوس على طاولة الحوار بين واشنطن وطهران وبقية الفرقاء الموقعين على الاتفاق النووي عام ٢٠١٥.

كما حدث في الاتفاق النووي الإيراني الذي تم التوقيع عليه عام ٢٠١٥ في فيينا وأنقذ المنطقة من حرب كارثية حيث كان للجهد الدبلوماسي العماني بقيادة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه ـ الدور الأهم فإن المشهد الأمريكي الإيراني يتقارب وإن كان لا يتطابق مع المشهد عام ٢٠١٣ عندما بدأت المحادثات بين إيران ومجموعة العمل المشتركة وهي مجموعة الدول الدائمة في مجلس الأمن وألمانيا تعود الأجواء من جديد بين طهران وواشنطن من جديد ومن خلال الإدارة الديمقراطية الجديدة التي يقودها بايدن في ظل ظروف دقيقة أهمها التركة السلبية لإدارة ترامب الماضية والتي تسبب انسحابها من الاتفاق النووي وفرض عقوبات قاسية على إيران إلى تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار في منطقة الخليج، كما أن الانسحاب من الاتفاق النووي خلط الأوراق وجعل طهران أكثر تحررا من التزاماتها على صعيد نسب تخصيب اليورانيوم وعدد أجهزة الطرد المركزي في ظل عدم التزام الجانب الأوروبي بالالتزام ببنود الاتفاق خاصة على الصعيدين المالي والتجاري.
بدأ سيناريو العودة إلى الاتفاق النووي مبكرا منذ انطلاقة حملة بايدن كما تحدثت بعض الصحف الأمريكية على لسان عدد من المسؤولين الأمريكيين بأن اتصالات ولقاءات حدثت بين فريق بايدن ومسؤولين إيرانيين وبعد وصول بايدن إلي البيت الأبيض فإن قنوات الاتصال السري على الأقل متواصلة ومع ذالك فإن التصريحات المتبادلة وحتى السلبية منها تبدو طبيعية بعد 4 سنوات من القطيعة والتوتر مع إدارة ترامب وعلى ضوء ذلك فإن دول الاتحاد الأوروبي سوف يكون لها دور إيجابي علاوة على الشركاء الذين لعبوا الدور الأهم في نجاح الاتفاق النووي بعد سنوات مضنية من الحوار واستكشاف الحل منذ عام ٢٠٠٨ عندما كان أحمدي نجاد على رأس السلطة في إيران.
ولا شك أن السلطنة ومن خلال دبلوماسيتها الحكيمة سوف يكون لها دور تدرك أهميته مجموعة العمل الشاملة وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن التراكم والخبرة السياسية للسلطنة خاصة على صعيد الملف النووي الإيراني المعقد يسمح للسلطنة بلعب دور هو مطلوب من قبل الشركاء وقد شهد فبراير الماضي حراكا سياسيا بين مسقط وعدد من العواصم الدولية ومن أهمها وزارة الخارجية الأمريكية من خلال الاتصال بين وزيري خارجية البلدين علاوة على عدد من الزيارات المتبادلة بين مسؤولي السلطنة وعدد من الدول العربية ومن هنا فإن سيناريو الحوار الإيراني مع الدول الكبرى سوف يتحقق وهناك رغبة من الطرفين للعودة للاتفاق النووي مع وجود عدد من المتغيرات فرضتها ظروف المرحلة على ملفات الإدارة الجديدة ما يساعد على انطلاق الحوار بالنسبة للاتفاق النووي الإيراني هو وجود مجموعة من المستشارين والمسؤولين في إدارة بايدن الذين شاركوا في مسار التفاوض خلال إدارة أوباما السابقة بمن فيهم رجل البيت الأبيض الجديد بايدن وهذا يعطي مؤشرا على أن سيناريو الاتفاق سوف يعود مجددا مع إدخال ربما تفاصيل محدودة تكون محل إجماع الأطراف تخص بشكل خاص البرنامج النووي الإيراني.
الملفات التي تراجع الآن من قبل إدارة بايدن بدأت ومن أهمها العودة إلى مجمل الاتفاقيات الدولية وعضوية الولايات المتحدة الأمريكية في بعض المنظمات كمنظمة الصحة العالمية ومجلس حقوق الإنسان واتفاقية باريس للمناخ ومن هنا فإن العودة مجددًا للاتفاق النووي الإيراني يأتي في إطار التوجهات الجديدة لإدارة بايدن، وكما قال مسؤول أمريكي: إن ما يدور من خطوات يصب في إنهاء سياسة ترامب بشكل كامل والتي أضرت بمصداقية الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العالم كما أن الأزمات الإقليمية أصبحت تشكل قلقا متزايدا للإدارة الأمريكية ومنها الحرب في اليمن والحرب في أفغانستان والتوتر في العراق وليبيا وسوريا وأيضا الوضع في منطقة الخليج والشرق الأوسط ومن هنا فإن جملة تلك الملفات هي في إطار التقييم والمراجعة بما فيها العلاقات التقليدية مع الدول الحليفة في الشرق الأوسط وعلى ضوء ذلك فإن السياسة الخارجية الأمريكية تشهد تغيرات حاسمة وقد بدأت بعض ملامحها في الظهور حتى على صعيد القضية الفلسطينية ومسار السلام على أساس حل الدولتين بين الفلسطينيين والإسرائيليين كما أن التوجهات الأمريكية الجديدة سوف تركز على بؤر الإرهاب في الساحل الإفريقي وجنوب الصحراء ومع كل هذه الملفات يظل الملف النووي الإيراني هو أحد الملفات الأساسية لأنه يتعلق بملفات أخرى بينها الصراع بين العرب والكيان الإسرائيلي وأيضا التوتر بين إيران وإسرائيل وقضايا الملاحة البحرية في المنطقة وتأمين الطاقة والحركة التجارية.
ومن هنا فإن وجود حالة من الاستقرار والسلام في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام هو سمة أساسية لإدارة بايدن علاوة على أن التحديات الاستراتيجية لواشنطن أصبحت مختلفة حيث التحدي الأكبر مع الصين بالدرجة الأولى وبعد ذلك روسيا الاتحادية الخيار الوحيد التصريحات الإعلامية بين طهران وواشنطن لا تعطي المؤشر الحقيقي لما يدور داخل الغرف المغلقة وفي عواصم متعددة كما حدث في سيناريو الاتفاق النووي ومن هنا عودة الاتفاق النووي هو محصلة طبيعية وهو الخيار الأوحد لأن البديل سوف يكون مفزعًا للمنطقة والعالم كما أن هناك مصلحة لكل الأطراف في رجوع الاتفاق النووي الإيراني لإبعاد المنطقة عن شبح السباق النووي ومن هنا فإن المشهد الآن يتمحور حول ضرورة النقطة الأساسية وهي مسألة رفع العقوبات على إيران حتى لو كان بشكل متدرج خاصة أن هناك منطقا إيرانيا يتحدث عن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق وبالتالي فإن العودة الأمريكية للاتفاق يتطلب رفع العقوبات وبعد ذلك تبدأ المباحثات.
ولكن في إطار المناوشات السياسية والإعلامية فإن الذي يحدث هو أمر طبيعي وسوف تتجه الأمور في نهاية المطاف إلى الجلوس على طاولة الحوار بين واشنطن وطهران وبقية الفرقاء الموقعين على الاتفاق النووي عام ٢٠١٥.
إن الملف النووي الإيراني هو من الملفات المعقدة ومن هنا فإن العلاقة الجيدة بين السلطنة وكل من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية والصين والمصداقية الكبيرة التي تتسم بها الدبلوماسية العمانية يعطي فرصة حقيقية لمواصلة الدور العماني سواء في هذا الملف أو غيره من الملفات كموضوع الحرب الكارثية في اليمن والذي أصبح وقفها ضرورة إنسانية قبل أن تكون ضرورة سياسية واستراتيجية ولعل من مصلحة المجتمع الدولي أن يتوصل الطرفان الأمريكي والإيراني وبقية الفرقاء إلى اتفاق يجنب المنطقة الصراعات والحروب التي عانت منها على مدى 4 عقود.

■ صحفي ومحلل سياسي