أنساغ: «قرارات باراماونت القضائيَّة»: نهاية نظام الأستوديو في السينما الأمريكية «1»

عبدالله حبيب –

كان صدور «قرارات باراماونت القضائيَّة» بمثابة الزلزال الأكبر والأعتى في كل تاريخ السينما الأمريكيَّة؛ وذلك من حيث إن تلك القرارات الصادرة من المحكمة الأمريكية العليا، بعد مراوحات، وتسويفات، ومماطلات في محاكم محليَّة وفيدراليَّة أقل شأنا، كانت القشَّة التي قصمت ظهر البعير، والحقيقة أن الصِّدام قد ابتدأ على نَحْوٍ تراكميٍّ باطِّراد القلق القانوني المبكِّر الذي تنامى إزاء الجشع المفرط، والاستحواذ المطلق، والاحتكار الكامل لكل صغيرة وكبيرة في السوق السينمائي وعمليَّاته المتعددة، وذلك منذ عصر السينما الصامتة (في الحقيقة بدأت المناوشات بين المؤسسة القضائيَّة الأمريكيَّة والجهاز السينمائي الوليد بِصُوَرِهِ البدائيَّة منذ العام 1890 كما يرى بعض المؤرخين).
لكن، ومهما يكن من أمر، فإنه يُشار إلى العام 1948 باعتباره بداية التجسيد الفعلي للانتصار القضائي على الاستوديوهات الثمانية «الصغيرة» و«الكبيرة» التي شكَّل جماعها امبراطورية هوليوود العملاقة. وتلكم الاستوديوهات هي: 20th Century Fox, RKO Radio Pictures, Columbia Pictures, Metro-Golden-Mayer, Paramount Pictures, United Artists, Universal Studios, – Warner Brothers.
لقد صالت تلك الأستوديوهات وجالت، ومارست بما لديها من جبروت المال، وتغوُّل النفوذ، وأخطبوطيَّات علاقات السُّلطة وآثامها ما عُرف بـ«التكامل العمودي»؛ أي الاستئثار الكامل والاحتكار المطلق للعمليات السينمائية الثلاثة الرئيسة: الإنتاج (بما في ذلك حيازة المعدَّات، والتحكم في اللوجستيَّات، والتعاقد مع كتّاب السيناريو، والفنيِّين، والممثلين، والمخرجين، مثلًا)، والتوزيع (القنوات التي تتحكم بطرق وصول الإنتاج السينمائي إلى كل مكان في الولايات المتحدة وخارجها)، والعرض (كما في الملكية الكاملة أو الشراكة المسيطرة في الدُّور والمنافذ العارضة للأفلام). وقد اتخذت تلك «القرارات» اسم «باراماونت» في واجهتها الاسميَّة مع أنها شملت الاستوديوهات المذكورة سالفًا قاطبةً؛ وذلك لأن «باراماونت» كان أكبرها وأكثرها تأثيرًا.
هذا، ولا يزال حجم النتائج الكاملة، والتأثيرات الدقيقة الناجمة عن «قرارات باراماونت القضائيَّة» محط جدل شائك بين مؤرِّخي ودارسي السينما الأمريكية؛ فهناك «تأثيرات مباشرة» (وهذا ما تروم هذه السطور محاورته)، وثمَّة «تأثيرات غير مباشرة» مثل ظهور تيَّار «هوليوود الجديدة». بيد أنه على الرغم من ذلك فإن من الواضح أنه، وبمعزل عن الإجماع بأن تلك القرارات قد أنهت الاحتكار، وبذلك أسست سوقًا حُرَّة تدار عبرها مختلف العمليَّات والصفقات السينمائيَّة في أطوارها الثلاثة (وإن كانت تلك القرارات لم تستَثنِ أنشطة احتكاريَّة لاحقة بين الأستوديوهات الثمانية المذكورة آنفًا مثل ما يسمونه «المساومات الثنائيَّة» و«الشِّراء المغلَق»)، فإنه، فيما عدا ذلك فيما يخص تلك القرارات، هناك القليل من الاتفاق بين المؤرخين والباحثين الذين لم يختلفوا إلا على جملةٍ مُريحَةٍ لجميع الفرقاء بالقول: يعتمد الأمر على الطريقة التي تنظر بها إليه!. والحقيقة أنه مما يُعَقِّدُ الأمر معطيات من قبيل الفترات الزمنيَّة والآليَّة الإجرائيَّة المختلفة لوضع تلك القرارات موضع التنفيذ. فلنتأمل، مثلًا، أنه فقط في العام 1957، أي بعد عقد تقريبا من بدء تطبيق تلك القرارات في العام 1948، تم إغلاق هذا الفصل من تاريخ السينما الأمريكيَّة بصورة نهائيَّة. وينتج من هذا، بداهةً، أن أي كتابة جديدة لفصل «ما بعد قرارات باراماونت القضائيَّة» عليه أن يواجه ما ندعوه في لغة السرد السينمائي «القَطْع المفاجئ» (jump cut) الذي يتسبَّب في قدر لا بأس به من الإرباك.
هكذا، إذا، لا يبدو لي أن مؤرخين كبارا حتى من عِيار مايكل كونَنْت Michael Conant وسيمُن وِتْني Simon Whitney استثناء للقاعدة فيما يخص التقييم «المعياري» لتلك القرارات. غير أني سأضيف، ببعض التردد، أن المنهجيتين البحثيتين المتباينتين اللتين وظَّفهما كلا المؤرخَين (وهما، في الغالب، الاعتماد على تحليل معطياتٍ إحصائيَّة، وأخرى متكئة إلى تحليل معطيات مأخوذة من مجلات سينمائيَّة ومصادر أخرى في حالة الأول، وقراءة استجابات وردود أفعال مختلف الأطراف المعنيَّة عن أسئلةٍ استبيانيَّةٍ في حالة الثاني) قد تفسرَّان – عنيتُ، تينك المنهجيتين – بعض الاختلافات الضمنيَّة (وفي حالات قليلة، ليست ضمنيَّة جدا) بين منظوري الرؤية إلى ما أنا بصدده.
لذلك فإن اجتهادي الضئيل هنا لا يطمح إلى اختبار، أو إثبات، أو نفي النقاط التي توصل إليها أيٌّ من ذينك المؤرخين الضَّليعين؛ وحقا أنا غير مؤهل لذلك في المقام الأول، إذ لا يسمح لي المدى المحدود لمعرفتي بالشاردات والواردات الدقيقة للسينما الأمريكيَّة بهكذا زعم، ولكني أروم، من غير ما تشبيحٍ، ما قاله كارل ماركس بصراحةٍ دافئة وعفويَّةٍ جَسورٍ في إحدى رسائله إلى فردرِك إنغلز: «إنَّما أردتُّ أن أوضح بعض المسائل لنفسي فقط»!. عوضا عن ذلك الزعم في الطموح، إذا، فإني أرى أنه من المفيد لتجويد معرفتي الذاتيَّة بصورة أكبر لسيرورة تلك السينما التي لا يستطيع الفاترون من أمثالي إزاء هوليوود التجرؤ على نفي تأثيرها الهائل على السينما العالميَّة في أربع جهات الأرض (وحقا فإن حتى حركات سينمائية مهمَّة، ومناهضة للسينما الأمريكية في الوقت نفسه، لم تستطع إلا الإقرار بالنهل منها ـ فلنَقُل «الموجة الجديدة» في السينما الفرنسيَّة مثلا).. أقول، إذا، إنني بصدد محاولة إجراء مصالحة ومؤاخاة بين الافتراضات والتقديرات الموضوعيَّة التي أتى بها كل من مايكل كونَنْت وسيمُن وِتْني. بكلمات أخرى، إني أروم سردا مكثَّفا، ومتبرئا في الآن ذاته من تهمة الاتكاليَّة والكسل الشديدين، وذلك بناء على السرد التحليلي المستند إلى المنهجيتين المختلفتين، كما أسلفتُ، اللتين سار في ضوئهما كل من المؤرِّخيْن كونَنْت ووِتْني. وبصورة محدَّدة أكثر، فإني سوف أركِّز على تأثير «قرارات باراماونت القضائيَّة» على المنتجين، والموزِّعين، والعارضين «المستقلِّين» (وكل ما يتعلق بـ«الاستقلاليَّة» في كل وجه من أوجه النشاط السينمائي فهو أمرٌ كان ولا يزال شائكا في كل تاريخ السينما الأمريكية). وفي ذلك فإن عيني ستكون على أسباب وتأثيرات نتائج معيَّنة على تطوراتٍ في المقاربة والممارسة. ولكن ينبغي الاعتراف أن ما سأحاوله لا يستطيع تفادي ملامسةٍ محدودة لموضوعات ذات صلة بالأمر وذلك من قبيل «الميكانيزمات» الخاصة بالإنتاج السينمائي، ومن قبيل الدور الجدير بالاعتبار الذي قام به التلفزيون في المشهد الصناعي، والاجتماعي، والثقافي الأمريكي؛ وذلك أنه على الرغم من أن مقولة «السينما مرآة للمجتمع» تنطبق على كل زوايا المعمورة، فإنه في حالة السينما الأمريكيَّة قد يكون الأمر المثال الأكثر انعكاسا.
ومهما يكن من أمر، فإنه بحلول العام 1945 كانت الأستوديوهات الخمسة «الكبيرة» (RKO Radio Pictures, 20th Century Fox, Paramount Pictures, Warner Brothers, (Metro-Goldwyn-Mayer مصالح في أكثر من 71٪ من دور العرض في الولايات المتحدة بنسبة 45٪ من كامل ريع إيجارات الأفلام التي آلت إلى الأستوديوهات «الكبيرة» و«الصغيرة»؛ وهذه قوة هائلة حقًّا. لكن، وبسبب «قرارات باراماونت القضائيَّة» فإن ذلك قد تغير بصورة أكثر من ملحوظة؛ إذ إن منتجين، وموزعين، وعارضين من حجمٍ أصغر بدؤوا يكتسبون مواضع أقدام راسخة في كل بقاع ومجالات الصناعة السينمائية الأمريكية، وذلك على الرغم من أن صِلاتهم بالموزِّعين القدامى تحت مظلة النظام السابق، وضمن توغلاته، وأخطبوطيَّاته (ما قبل صدور «قرارات باراماونت القضائيَّة») لم تنبتّ في أوجه عدة. على أن التأثير السلبي للإبقاء الاضطراري على بعضٍ من تلك الصلات لا يكاد يذكُر مقارنة بالمكاسب الكبيرة التي بدأ المستقلون في تحقيقها، ولأضرب هذا المثال على ما جناه العارضون المستقلون نتيجة لصدور «قرارات باراماونت القضائيَّة»؛ فقد قُدِّر عدد منافذ العروض السينمائيَّة في العام 1951 وحده بألف وخمسمائة منفذ موزعة على طول البلاد وعرضها.
وعلى نحوٍ مُشابِهٍ لما حدث للعارضين المستقلين فإن الموزِّعين المستقلين – وعلى الرغم من شكواهم السريعة، وربما المشروعة، وتبرِّمهم الساخط على بطء تنفيذ قرارات الفصل والمصادرة في بيئة الصناعة السينمائيَّة الأمريكيَّة المعروفة أصلا بأواصر العلاقات العائلية المتينة بين أقطابها الشرسة – قد استفادوا (أي الموزِّعون) أيَّما فائدة من منع ممارسة «الحجز الحصري» لفيلمٍ أو أفلام ما؛ وذلك المنع مما انطوت عليه «قرارات باراماونت القضائية». يدعو وِتْني تلك الاستفادة التي حاز عليها الموزعون المستقلون: بـ «صَكُّ الحريَّة» (وللمادة تتمة).