أزمة كورونا وإعادة تقدير وسائل الإعلام الوطنية

أ.د. حسني نصر –

بارقة الأمل التي تبدو في الأفق لا تقتصر فقط على إعادة الاعتبار والتقدير المجتمعي لوسائل الإعلام التقليدية، ولكن أيضا دفع تلك الوسائل إلى مراجعة مداخلاتها ومخرجاتها وتجويد المنتج الإعلامي بما يحافظ على مكتسباتها الجماهيرية بعد انتهاء الأزمة بإذن الله.
في كل أزمة كبيرة يلجأ الناس إلى مصادر متعددة شخصية وإعلامية وشبكية للحصول على المعلومات والتوجيهات والإرشادات.
وبعد مرور عام على بدء أزمة انتشار فيروس كورونا في العالم يمكن القول إن تلك الأزمة غير المسبوقة في التاريخ الحديث التي ما زالت آثارها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية غير معروفة على وجه الدقة، قد أعادت الاعتبار والتقدير الجماهيري للمصادر التقليدية للأخبار في جميع دول العالم تقريبا، وأعادت الناس إلى الصحف والمجلات والمحطات الإذاعية والتلفزيونية والمواقع والتطبيقات الإخبارية، بالإضافة إلى شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية ذات الطابع الإخباري.
واقع الحال أن أزمة كورونا المستمرة حتى اليوم، قد غيّرت المشهد الإعلامي الدولي بشكل كبير، وكشفت حاجة الدول والشعوب إلى صحافة إخبارية موثوق بها يمكن أن تخبر بدقة وموضوعية، ويمكن أن تُعلم وتثقف، وأن ترشد وتوجه، وأن تواجه في الوقت نفسه الأكاذيب والمعلومات المضللة التي تمتلئ بها شبكات التواصل الاجتماعي.
وللدلالة على ذلك كشفت دراسة حديثة نشرها معهد رويترز وجامعة أكسفورد أن نسبة الأفراد الذين يفضلون التلفزيون على المصادر الإلكترونية زادت خلال الأزمة بواقع 20 بالمائة في بريطانيا، و19 بالمائة في الأرجنتين.
وعلى سبيل المثال فقد تابع خطاب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الذي طلب فيه من مواطنيه البقاء في المنازل 27 مليون شخص على أجهزة التلفزيون، ليصبح هذا الخطاب واحدا من أكثر المشاهدات في تاريخ التلفزيون، وفي الوقت نفسه زادت مشاهدة نشرة الأخبار المسائية من هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» بنسبة 30 بالمائة.
وخلال فترات الإغلاق الشامل تضاعف المرور على مواقع الهيئة، ليسجل رقمًا قياسيًا لم يحدث من قبل، بلغ 70 مليون متصفح من داخل المملكة المتحدة وحدها، خلال أسبوع.
وعلى المستوى الوطني ومنذ بدء الأزمة شاهدنا جميعا كيف ينتظر الناس البيانات الرسمية اليومية والمؤتمرات الصحفية التي تعقدها اللجنة العليا المكلفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا «كوفيد-19»، ومتابعة ما يصدر عنها وينشر في الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون والمواقع الإلكترونية الرسمية والحسابات الرسمية على شبكات التواصل الاجتماعي، للحصول على المعلومات والحقائق حول الوضع الوبائي والعدد الإجمالي للمصابين والمتعافين، بالإضافة إلى أعداد المصابين الجدد وأعداد الوفيات، والقرارات المتعلقة بمواجهة الأزمة والإرشادات الصحية لتجنب الإصابة بالفيروس.
صحيح أن قطاعا من المواطنين والمقيمين في السلطنة ما زالوا يعتمدون على شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات غير الإعلامية، ويحصلون من خلالها على معلومات عن الأزمة، ولكنهم في الغالب يعودون إلى المصادر الإعلامية الموثوقة لمقارنة الحقائق وتصحيح المعلومات والوقوف على حقيقة ما ينشر على هذه الشبكات، وإلى حين إجراء دراسات علمية حول استخدام الجمهور في عُمان لوسائل الإعلام التقليدية والجديدة خلال الأزمة، ودوافع هذا الاستخدام، والإشباعات المتحققة منه، يمكن الزعم أن عام أزمة كورونا الأول شهد زيادة في استهلاك الأخبار من وسائل الإعلام العُمانية الرئيسة، وزاد عدد الأشخاص الذين يعتبرون التلفزيون العُماني المصدر الرئيس للأخبار، بالإضافة إلى بعض المصادر الإخبارية الرئيسة كمواقع الصحف والمواقع الإخبارية العمانية وحساباتها على شبكات التواصل الاجتماعي.
ورغم انخفاض استهلاك الصحف المطبوعة بسبب الإغلاق وتوقف إصدار الصحف فترة من الزمن، فإنها عوضت ذلك بزيادة المرور على مواقعها الإلكترونية، وزيادة متابعة حساباتها على المنصات الاجتماعية.
الأهم من ذلك أن الثقة في تغطية وسائل الإعلام الوطنية لـ«كوفيد-19» ارتفعت بشكل كبير، ويمكن ملاحظة ذلك عند سؤال بعض الناس عن مصادر معلوماتهم عن الفيروس، فتأتي الإجابة من التلفزيون أو الإذاعة أكثر من الشبكات الاجتماعية أو تطبيقات المراسلة مثل واتساب، التي زادت قناعة قطاع كبير من الناس بأنه لا يمكن الوثوق بما ينشر عليها، وأنها مكان لنشر الشائعات والمعلومات المضللة عن الفيروس وأعداد المصابين، ولا تعتمد على مصادر مُعرفة فيما ينشر عليها، ويمكن القول إن أعدادا كبيرة من الناس يعتقدون أن وسائل الإعلام العمانية قامت وما زالت تقوم بدور لا يمكن إنكاره في مساعدتهم في فهم أزمة كورونا وآثارها وتداعياتها الصحية والاقتصادية والاجتماعية، وما يمكن أن يقوموا به بشكل شخصي لتقليل حدة تلك الآثار والتداعيات.
في تقديري أن أزمة كورونا أكدت للجميع، حكومات وشعوب، أنه لا غنى عن الصحافة بمعناها الواسع، الذي يشمل الصحف المطبوعة والإلكترونية، والصحافة المسموعة والمرئية «الإذاعة والتلفزيون»، وأن الأمر -خاصة في الأزمات الكبيرة- لا يمكن أن يترك فقط لشبكات التواصل الاجتماعي ومنصاتها المختلفة لتزويد الناس بالمعلومات.
صحيح أن معاناة الصحافة من المشكلات المادية زادت بسبب الأزمة نتيجة انخفاض التوزيع وانخفاض عائدات الإعلان، ومع ذلك فإنها أصبحت في وضع جماهيري أفضل يمكن أن تستغله في تنويع مصادر الدخل عبر زيادة الاشتراكات الرقمية كما فعلت صحف عديدة في العالم خلال السنوات الأخيرة، ومنها صحيفة نيويورك تايمز التي تخطت عائداتها الرقمية عائداتها الأخرى لأول مرة خلال العام الأول لكورونا.
وبالنسبة للحكومة فإن الأزمة كشفت استمرار حاجتها إلى الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وأكدت لها أن أي إنفاق عليها وأي دعم مادي تقدمه لكي تستمر هذه الوسائل الإعلامية في السوق، لا يذهب سدى.
ورغم الانتقادات التي يمكن أن توجه لتلك الوسائل، خاصة من جانب بعض من لا يدركون أهميتها ودورها في المجتمع، فإن أزمة وباء كورونا من شأنها أن تُذكر الحكومة ونقاد وسائل الإعلام الوطنية، بأنه حتى وسائل الإعلام التي يرون أنها ضعيفة قد أدت وما زالت تؤدي دورًا مهما في إعلام الناس وتشكيل الرأي العام.
ما يجب على الصحافة العمانية بكل منصاتها الورقية والمسموعة والمرئية والإلكترونية أن تفعله هو أن توظف ما نتج عن هذه الأزمة من تغيرات خاصة على صعيد عودة التقدير المجتمعي والجماهيري والحكومي لدورها، وزيادة الطلب عليها، وأن تبدأ في البحث عن وسائل جديدة يمكن أن تحقق لها عائدات جيدة على المدى الطويل، مثل تشجيع اشتراكات القراء في النسخ الرقمية بمبالغ زهيدة تمثل ربع ثمن النسخة الورقية أو أقل، واستخدام المزيد من الوسائط الرقمية التي يقبل عليها القراء الجدد مثل البودكاست وإرسال الأخبار والنسخ إلى البريد الإلكتروني للمشتركين، وتنبيهات الهواتف المحمولة الإخبارية، وهي وسائل ثبت في أكثر من سوق إعلامي أنها تزيد من تفاعل القراء وارتباطهم بالصحف وولائهم لها.
أما التلفزيون الوطني الذي قام ويقوم بدور كبير كمنصة ضرورية للحكومة والسلطات الصحية والهيئة العليا، لإيصال المعلومات والنصائح الصحية إلى المشاهدين، فإن عليه أن يستغل عودة الالتفاف الجماهيري حوله، وتغير عادات استهلاك وسائل الإعلام في المجتمع العُماني، وتحولت أعداد أكبر من الناس إلى الأخبار التلفزيونية الحية، وذلك بتحديث خدماته الإخبارية وتنويع مصادر الأخبار والتقارير المباشرة وإجراء الحوارات والتحقيقات الاستقصائية التي لا تقتصر علي عرض المعلومات، بل أيضا كشف الأخطاء ومواطن الخلل، إن وجدت، في التعامل مع الأزمة.
من المؤكد أن في كل أزمة تظهر بارقة أمل، وقد أظهرت أزمة كورونا قيمة وسائل الإعلام التي يمكن الوثوق بها سواء للجمهور أو لصانعي السياسات الذين يجب عليهم أن يدعموا بقاء واستمرار تلك الوسائل.
بارقة الأمل التي تبدو في الأفق لا تقتصر فقط على إعادة الاعتبار والتقدير المجتمعي لوسائل الإعلام التقليدية، ولكن أيضا دفع تلك الوسائل إلى مراجعة مداخلاتها ومخرجاتها وتجويد المنتج الإعلامي بما يحافظ على مكتسباتها الجماهيرية بعد انتهاء الأزمة بإذن الله.