لمرة أخرى: التعافي بالأدب

أمل السعيدية

خضعتُ لعملية جراحية طارئة، ألزمتني الفراش منذ أيام، كنتُ قبل الدخول لغرفة العمليات أسأل الممرضات كل نصف ساعة، هل سيكون هنالك تخدير كامل أم موضعي؟ لكن واحدة منهن لم تجب عن سؤالي الذي بدا متطفلًا بالنسبة لهن، لكنني كنتُ أستدرك لا أريد أن أشعر بالألم، هل سأشعر بالألم لو كان التخدير موضعيًا؟ سرعان ما انتهت العملية بعد ثلاثة أيام قضيتها في غرفة موحشة، اُقتلعتْ مقابضُ نوافذها المطلة على الشارع العام، لكنني حينها لم أكتشف أن الألم ليس مرتبطًا بوقت العملية بل في الوقت الذي يجيء بعدها، خصوصًا أن عليّ تنظيف مكان الجرح يوميًا.
في المرة الأولى بكيتُ كثيرًا وصرخت، حتى أن أختي قالت لي إن الجناح كله كان قادرًا على سماع صرخات الاستغاثة التي أطلقتها. وعندما عدتُ للبيت، فكرت في أن أستعد لليوم التالي، لوقت التنظيف تحديدًا، كيف أستطيع تمالك نفسي؟ وكشخص لا تتجاوز خيالاته الكتب، قررتُ أن أقرأ دون كيخوتة لسيرفانتس، فكرت بصبيانية أنه إذا ما كان قادرًا على محاربة طواحين الهواء، ربما يشجعني على الاستعداد لمشقة الواجب اليومي الذي أصبح مفروضًا عليّ منذ وقت إجراء العملية.
تفاجأت بالطبع عند الشروع في قراءة هذه الرواية التي تعد من أهم الأعمال الأدبية الكلاسيكية، أن دون كيخوتة، كان قد قرأ الأدب الإسباني آنذاك والذي كان يزخر بقصص الفروسية والأبطال، ليصبح هاجسه أن يصبح فارسًا هو الآخر، وعلى الرغم من أنني لم أتجاوز المائة صفحة من العمل، إلا أن أسلوب ثربانتس الساخر، أضحكني على نفسي، إذ بدوت وعلى نحو ما، دون كيخوته يلجأ لكتاب، ليتعلم مجابهة الواقع، لكن هذا الواقع يسخر منه بمرارة، ولا يبالي بأحلامه الطفولية الغضة.
لا أستطيع الجلوس لحمل كتاب، وهذا ما لم أعتد عليه، كل حياتي كانت هروبًا نزقًا للمكتبة، كأنما يطاردني قدرٌ مظلم، سأسقط فريسته لو أنني توقفت قليلًا، لذلك كنتُ أقرأ على هاتفي، صفحات الرواية الإسبانية حتى أغفو.
بعد مرور ثلاثة أيام على العملية، وبينما كنت مغمضة العينين من التعب، فكرت في الأيام الخمسة عشر القادمة والتي حصلتُ على إجازة مرضية لها، ماذا سأفعل فيها، تجعلني المسكنات في حالة هوائية، كما لو أنني لستُ موجودة بالفعل في هذه اللحظة، تذكرتُ أنني كتبتُ هنا في وقت سابق عن التعافي بالأدب، أمسكتُ رواية «حرير غزالة» الصادرة حديثًا عن دار الآداب للروائية العمانية جوخة الحارثية، وأكملت قراءة النصف الأخير منها، جاء مقطع سردت فيه القصة، غرف المعلمات الوافدات في السكن أيام السبعينيات في إحدى قرى السلطنة، تذكرتُ مبنى أبيض، مبني على نحو أفقي، طابق واحد فقط، في صحم البلدة التي نشأت فيها، كنتُ أسمع بأنه سكن المعلمات المصريات، سرعان ما تخيلت مصير هذا المبنى؟ ومتى آخر مرة سمعت فيها عنه أي شيء. هل صار شيئًا آخر اليوم؟ أم تمت إزالته؟ لقد نجحت في الانفصال عن موضع ألمي، حاملة في يدي كتابًا ورقيًا، رغم صعوبة الأمر. شعرتُ بالامتنان لأنني أختبر هذا الشعور وأعرف معنى أن يجد الإنسانُ سلوانًا لا يكلفه كثيرًا، ولا يساء فهمه فيه، ولا يضطر فيها لتبرير نفسه.