نوافذ : مواقد الذاكرة

أحمد بن سالم الفلاحي

تحرجنا مجموعة الأحداث التي تختزنها الذاكرة في كثير من المواقف، فلانكاد نتخلص من تأثيراتها في تلك اللحظة؛ إلا وتعاود الهجوم مرة أخرى في مواقف أخرى، حيث تنقض علينا كـ “جلمود صخر حطه السيل من عل” كما يقول المتنبي، ومن فرط هذه الحميمية الملاصقة تصبح هذه الأحداث جزءا عضويا من حياتنا اليومية، تتبرمج جميع علاقاتنا بالآخر من خلال ما تفضي به هذه الأحداث، مع أن المسافة الزمنية الفاصلة بين لحظة وقوعها، أو تسلسلها الزمني مسافة ليست قريبة، ومناسباتها ليست حاضرة أو متشابهة، ولكنها تفتعل نضارتها وشبوبيتها – لا تهرم – في كل مرة، وكأنها حدثت بالأمس القريب.
هناك الكثيرون ممن يحذرون من العبث بالذاكرة، فالعبث بها مجازفة غير مأمونة المخاطر، لأن الدخول في تركيبة تصنيعها لم يعد متاحا، فهي – أي هذه الأحداث – إما أن تقبلها بالكامل؛ أو ترفضها بالكامل، ومسألة رفضها ليست يسيرة، ولذلك هي تضغط بقوة التأثير، ونستسلم لها نحن، بضعف الحيلة، وهكذا تستمرئ علينا فعلها المشين؛ أغلبه؛ ونظل مأسورين لا حيلة لنا من عدم قبوله.
يفترض أن تكون الـ “مواقد” متقدة بالنضارة والحيوية التي تضفي على واقعها التجديد، والحيوية والنشاط، وأن تعيد نشاط الكثير مما شرذمته الأيام، وشوهته الأزمان، لا أن تجعلنا نعيش تموضع المربع الأول في كل مرة، لأن في ذلك إنهاك للذاكرة، وتململ للنفس، وإزعاج للضمير، وتأزم لكل مشروعات العلاقات مع الآخر، التي يجب أن تتجدد، وأن يكون بناؤها معبرا عن واقعها الذي تعيش فيه، لا أن تكون مأسورة لماض كانت له ظروفه الخاصة، ومشاعره الفطرية الطرية، التي لا تزال تتلمس البدايات الأولى لعمر المعرفة في كل شيء، وتبني علائقها الوشائجية طوبة على أخرى، والسؤال: ما الذي يحمل تلك المواقف البدائية الطرية لأن تستحوذ على مشاريع الذاكرة المتحصنة بالخبرة والفتوة والتحقق؟
استطاع الروائي الإماراتي (علي أبو الريش) في روايته (أم الدويس) وغيره؛ ربما؛ من الروائيين، أن يجسد “مواقد الذاكرة” كما جاءت الجملة على لسانه، عبر تسلسل الأحداث في هذه الرواية، وأن يؤرخ لهذه المواقد سطوتها على حياة الشخصية في نهاية الرواية، وإذا كان الروائي علي وغيره من الروائيين الذين يهتمون بهذا السبر النفساني بين الإنسان وذاته من خلال تجسيد هذه المواقف، وجعلها تتكلم عبر ممارسات الحياة اليومية عند الإنسان، فإن الحقيقة هي ذاتها مع أناس كثيرين لا يزالون مأسورين لمواقف بعينها تتبعهم في كل عشيات الأيام وضحواتها، ولا تقف عند حد التذكر فقط، بل تستدرجهم، وتخاتلهم في إعادة قراءة أية علاقة قديمة لذات الشخوص، مع أنه مرت فترات طويلة؛ حدث فيها ما حدث، وتغيرت موازين، وتجددت أجيال، وأزيلت مدن، وتجمعت قرى، ومع ذلك ظلت هذه الـ “مواقد” تغذي هذه الذاكرة، ولا تفسح لها مجال التحرر من عوالق لم تعد تسمن أو تغني من جوع.
يقول الروائي المعروف (نجيب محفوظ) – رحمه الله – كما قرأت-:”عندما لا تعرف كيف تصف شعورك، أو تدافع عن نفسك في لحظة أو موقف ما، فأعلم أن لك قلبا بريئا لم يتعلم خبث الحياة”- انتهى النص – ولا أستبعد أن من يشعل هذا الخبث هي هذه الـ”مواقد” التي حالها كحال أولئك الذين يعيشون في المناطق الباردة حيث يجمعون حطب المدافئ طوال فترة الصيف، ليشعلوا بها مواقد الشتاء، ولكن سلوكهم هذا يظل أفضل حالا، لأنه موقوت بفترة الشتاء، أما حال الذاكرة فسيء سيء، لأنها تواصل عملها طوال أشهر السنة، فلا تتيح لهذا الإنسان مسافة زمنية يسترجع فيها أنفاسه، ليبني علاقته مع الآخر، صافية، شافية، من غير كدر.