زاوية قانونية: «الأحوال الشخصية» «208» : عرض الصلح على الخصـــــوم

د. محمد بن عبدالله الهاشمي /قاضي المحكمة العليا –

الصلح سيّد الأحكام، أمر به القرآن الكريم، يقول الله – عز وجل -:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، ويقول الله – عز وجل -:(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ).
وحث عليه النّبي العظيم، عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، فهو يؤدي إلى الترابط والوفاق بدل الاختلاف والشقاق، ويبقى على المودة والتآلف والوئام عوض البغضاء والشحناء والأحقاد، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يسعى إلى إصلاح ذات البين، فعن سهل بن سعد أنّ أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأُخبِر النّبي -صلى اله عليه وسلم- بذلك، فقال: ((اذهبوا بنا نصلح بينهم)).
وكان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يقول: (ردّوا الخصوم لكي يصطلحوا، فإنّ الحكم يورث بينهم الضغائن).
وقد نصّ قانون الإجراءات المدنية والتجارية على عرض الصلح على الخصوم في أكثر من مادة، فقد نصّت المادة «99» من قانون الإجراءات المدنية والتجارية على أنه: (تبدأ المحكمة الجلسة الأولى بعرض الصلح على الخصوم….).
وفي دعاوى الطلاق والتطليق ألزم القانون المحكمة أن تبذل جهدها في الصلح بين الخصوم قبل الحكم في الدعوى فقد نصّت المادة «285» من قانون الإجراءات المدنية والتجارية على أنه: (تلتزم المحكمة في دعاوى الطلاق أو التطليق أن تبذل جهدًا في محاولة الصلح بين الزوجين قبل بأيّ منهما، مع مراعاة ما يقضي به قانون الأحوال الشخصيّة في هذا الشأن).
ويؤكد القانون في دعاوى الولاية على النّفس، أنّ على المحكمة أن تعرض الصلح على الخصوم، فقد نصت المادة «292» من قانون الإجراءات المدنية والتجارية على أنه: (تلتزم المحكمة في دعاوى الولاية على النفس بعرض الصلح على الخصوم، ويُعد من تخلف عن حضور جلسة الصلح مع علمه بها بغير عذر مقبول رافضًا له).
فقد أفاد هذا النّص، بأنه على المحكمة التي تنظر دعوى سلب الولاية على النفس أو وقفها أو الحد منها أو ردّها أن تبدأ جلستها بعرض الصلح على الخصوم، نظرًا لما في الصلح من خير عظيم وفضل عميم، فهو يؤدي إلى الترابط والتكاتف ويقضي على الشحناء والبغضاء ويقوي الروابط الأسريّة.
وحفاظا من المشرّع على سرعة الفصل في الدعوى، وألا يكون عرض الصلح سبيلًا إلى إطالة أمد التقاضي، فقد جعل القانون تخلف أحد الخصوم عن الجلسة المحددة التي فيها يعرض الصلح من دون عذر تقبله المحكمة، بمثابة عدم قبوله الصلح؛ لذا تستمر المحكمة في إجراءات نظر الدعوى والحكم فيها، فعلى سبيل المثال: إذا أجّلت المحكمة الدعوى لجلسة تالية -من ذاتها أو بناء على طلب الخصوم- من أجل أن يصطلحوا، وفي الجلسة المحددة لنظر الدعوى تخلف بعض الخصوم ولم يحضروا الجلسة مع علمهم بها ولم يقدموا عذرًا تقبله المحكمة – كمرض أو نحوه – ولم يودعوا المحكمة مذكرة إتمامهم بالصلح، فإنّ المحكمة تستمر في نظر الدعوى، وتعتبر تخلفهم بمثابة عدم قبولهم الصلح.

،،،وللحديث بقية،،،