لا شواهد على ذكرياتنا«2»

سعيد الريامي –

على طول الساحل في صحار – كما هو الحال على سواحل مدن الباطنة الأخرى – كان يمتد شريط طويل – وضيّق نوعًا ما – من القرى، بيوتها مبنية من سعف النخيل وجذوعه، وأرضياتها مفروشة برمل الشاطئ الناعم. أغلب سكان هذه القرى عمانيون لهم أصول -ربما لا يزال بعضها حيًّا- على ضفة الشاطئ المقابل في إيران وباكستان والهند، تشي بذلك ألقابهم وقبائلهم ومذاهبهم، بل وحتى أسماء تلك القرى والأحياء التي يسكنونها، أما قلب المدينة -وهو المنطقة المحيطة بالقلعة- فالمباني فيها تختلف قليلًا، إذ هي مزيج من السعف، والطوب الطيني، والإسمنت، والجص؛ ربما لأن أغلب سكانها كانوا خليطًا من كبار وصغار موظفي الحكومة – من العمانيين وغيرهم، بالإضافة إلى التجار وأصحاب الحرف، هنا كان يسكن الوالي -الذي كانت القلعة بيته ومكتبه خلال سنوات ولايته، قبل أن ينتقل إلى ولاية أخرى، أو يتقاعد ويعود إلى بلده- إذا ما سمحت صُحار بذلك؛ فصحار كانت -ولا تزال- ذات سحر خاص يندر أن يقدر على مقاومته أحد – حتى الوُلاة؛ فنجد أن عددًا منهم – يحضرني الآن ثلاثة على الأقل – قرر استيطان صحار والاستقرار فيها بعد التقاعد. ولا يزال هؤلاء أو أبناؤهم وأحفادهم يسكنون صحار حتى اليوم.
وهنا كان يسكن القاضي الذي كان عادةً ما يشترك مع الوالي في «برزته» «1» في القصبة – وهي البرج الضخم مربع الأضلاع الذي لا يزال حتى اليوم يقف شامخًا وسط القلعة. ويبدو أن الولاة ليسوا وحدهم من سحرتهم صحار فاستقروا بها، فالقضاة فعلوا ذلك أيضًا؛ فجدّي سعيد – الذي عمل قاضيًا في صحار قرابة الخمسين عامًا حتى قبيل وفاته في 1969، والذي وُلد في صحار -كما ولد أبوه وجدّه وجدّان قبله- تعود أصوله إلى إحدى قرى الجبل الأخضر، وتقول إحدى الروايات التي كان يسردها لنا عنه كبار السن أن جده الأكبر الذي انتقل من الجبل الأخضر إلى صُحار فعل ذلك لأنه عُين قاضيًا فيها، ولا ريب أنه وقع -كغيره- تحت سحر هذه المدينة البحرية فاستقر بها، وهجر قريته الجبلية.
وخلف القلعة كان يسكن كثير من العسكر -وهم الحرس المُسلّح المُوكل إليهم ضبط الأمن في حضرة الوالي، وفي محيط عمله، وإنفاذ الأوامر والأحكام الصادرة عنه وعن القاضي- يسكن هؤلاء -مع أسرهم- في قرية خلف القلعة مباشرة، ما يضمن لهم انتظام وسرعة الحضور اليومي، وللوالي والقاضي سهولة استدعائهم عند الحاجة، وبالعدد الذي يتطلبه الظرف حينها. لا وجود الآن لعسكر الوالي بالطبع، فهذه مهنة انقرضت تمامًا لانتفاء الحاجة إليها. أما قريتهم فلا تزال قائمة – وبالاسم نفسه – حتى اليوم، لكن مع تغير ملحوظ في المساحة وعدد البيوت، التي اكتست جميعها باللون الأبيض. ولو أن البلدية اهتمت قليلًا بنظافة هذا الحي، ولو أن ساكنيه أضافوا إلى جدران بيوتهم البيضاء خطوطًا زرقاء بحرية، لتحول هذا الحي الصحاري الصغير، إلى سانتوريني أخرى.
وفي قلب المدينة كان يوجد سوق صحار الشهير – بدكاكينه الصغيرة المصطفة على جانبي ممر ضيق مظلل ومتفرع كأنه تعريشة عنب عملاقة. الذكريات البعيدة جدًا لها طابعها الخاص، فهي تفتقد التفاصيل عادة، وتكون مجرد مشاهد أو ومضات عابرة، لكنها مشاهد مكثفة وومضات شديدة التوهج. لا أذكر الكثير من التفاصيل عن سوق صحار القديم، لكن مشاهد مكثفة، وومضات متوهجة من ذلك السوق تسكن رأسي وتلمع فيه من حين لآخر؛ أذكر -مثلًا- لون الحلوى في دكاني «سالمين» و «السلامي»«2»، وأذكر الميزان الحديدي الأسود المعلق في السقف الذي كان يزن به «العطار» جواني الدقيق والرز، والدهشة التي كانت تنتابني كلما علق به شوالًا ونطق بالوزن. وأذكر رائحة الخبز الشهية في موقد «راشد الخباز»، وأذكر «بالك عمّي بالك» ينادي بها «حبيب الحمّالي» وهو يتحسس طريقه بين الجموع حاملًا على ظهره المقوّس شوالًا من الطحين أو الرز يفوق كثيرًا -في وزنه- وزنَ جسده الهزيل. أذكر الواجهة الخضراء الصدئة – «البنك البريطاني للشرق الأوسط» – تقف في مقابل دكان كيمجي، الذي كان يدهشني لفرط نظافته وحسن تنسيقه، وتسكرني روائح البهارات النافذة التي كانت تملأ جنباته. العجيب أن هذا المحل لا يزال في نفس مكانه حتى اليوم، لكنه لم يعد يبيع الأرز والدقيق والسمن والبهارات فقط. وأذكر أن ذلك الزقاق -الذي كان يقف على جانبيه البنك البريطاني ودكان كيمجي- كان يفضي إلى الشاطئ حيث سوق السمك. هناك شهدتُ «المناداه» -بيع السمك بالمزاد- لأول مرة في حياتي، حيث تباع أكوام من أسماك الصّيمة أو الغلية الصغيرة أحيانًا، وأحيانًا أخرى أسماك السهوة والكنعد العملاقة، في مزاد علنيّ يقترب في صخبه من مهرجان ريو البرازيلي.
دكان كيمجي كان واحدًا ضمن مجموعة صغيرة -لكنها فاعلة- من دكاكين «البانيان»«3» التي شكلت حينها -ولعقود طويلة قبل ذلك- سوقًا متنوعة وغنية في صحار؛ والحقيقة أن حضور البانيان في المجتمع الصحاري لا يمكن أبدًا اختزاله في تلك الدكاكين – مع أهميتها في تموين البيوت والمطابخ والمزارع بكافة الاحتياجات. لقد كانوا – بلغتهم العربية التي كانت مزيجًا حُلوًا من لهجات سكان صحار – جزءًا مهمًا من النسيج المجتمعي الصحاري، وخاصة طبقة الأعيان والتجار، وكانت ممارستهم لطقوسهم الاجتماعية والدينية – اليومية والموسمية – واقع حال لا اعتراض عليه ولا نقاش فيه، فقد كانت لهم محرقتهم ومعبدهم، بل لقد كان بعض عمالهم من العمانيين. أذكر أنني كنت أرافق أبي أحيانًا لشراء مستلزمات البيت من «دكان دَرِيه»«4»، الذي كان يقف عند وصولنا، فيحيّي أبي ويسأله عن «العلوم والأخبار» كأي عماني عتيد. وقبل شهر تقريبًا كنت وإخوتي – الذين يقترب أصغرهم الآن من عمر الخامسة والأربعين – نتمشى كعادتنا ليلًا في سوق صحار؛ نمارس هواية استحضار روح المكان، حين مررنا بدكان «جابوه»«5» الذي – لدهشتنا – لم يكن في دكانه، وعند السؤال عنه أخبرنا ولده الأربعيني – الذي وُلد في عمان، والذي صار هو من يدير الدكان – بأن أباه عاد أخيرًا إلى الهند، بعد أن قضى في صحار أكثر من سبعين عامًا. كان جابوه – كما أخبرنا ابنه – قد وصل مع والده إلى شواطئ مطرح في عام 1947، وهو ابن ستة أشهر، وخلال إقامته الطويلة هنا لم يعد إلى الهند سوى أربع مرات كانت آخرها قبل سبعة وعشرين عامًا.
انحسر الوجود البانياني في صحار – كما هو الحال في عمان كلها، ليحل محله – وبحضور طاغٍ – الوجود الكيريللي «6» بمقاييسه وقيمه المختلفة إلى حد كبير، وتلاشى كذلك حضور سوق صحار القديم شيئًا فشيئًا حتى لفظ أنفاسه الأخيرة واختفى تمامًا في منتصف السبعينيات تقريبًا، حينما ظهر سوق جديد بتجار جدد وسلع جديدة ومرتادين جدد في منطقة الهمبار، وتحديدًا أمام المستشفى – الجديد حينها. وبانتقال السوق من مكانه التاريخي المعروف، وانتقال كثير من سكان المنطقة المحيطة به إلى مخططات سكنية جديدة في الطريف والهمبار«7» وغيرها، تباطأ نبض قلب المدينة كثيرًا، إلى أن توقف تمامًا؛ خاصةً بعدما مزّقه إربًا – في بداية الثمانينيات – سوء التخطيط العمراني الذي حول تلك المنطقة الأثيرة من صحار إلى أشلاء مبتورة ومتناثرة لا يربطها رابط منهجي واضح، ولم تفلح محاولة إنعاشه – مؤخرًا – ببناء سوق جديد على طراز سوق مطرح؛ فهذا السوق – برغم جمال بنائه – لا يزال حتى اليوم يقف كئيبًا خاويًا إلا من دكان يتيم هنا وآخر هناك، ولا يجد من يزوره سوى بعض المتسكعين مثلي أو سياح لفتت انتباههم الزخارف التي تزين سقفه وأعمدته. صحيحٌ أن كورنيش صحار بث بعض الحياة – الليلية خاصة – في تلك المنطقة، إلاّ أنها حياة نبتت في الأطراف واكتفت بها، بعيدًا عن القلب – الذي دائمًا ما يبدو لي ليلهُ – كلما مارست تسكعي هناك – كئيبًا وصامتًا.


1ـ جلسة الوالي اليومية العامة ومعه القاضي ينظران في أحوال الناس
2ـ أشهر بائعَين للحلوى العمانية في صحار في تلك الفترة
3ـ مجموعة من التجار الهنود تعود أصولهم إلى مناطق كوجرات والسند، وتمتد علاقتهم بعمان إلى فترات قديمة من تاريخها.
4ـ تاجر بنياني
5ـ تاجر بنياني آخر
6ـ نسبة إلى ولاية كيريلا الهندية
7ـ مناطق في صحار