واقع الفلسطينيين في إسرائيل: جدلية الإقصاء والإدماج

د.صلاح أبونار –

جاءت التطورات الأخيرة فى مجال العلاقات العربية – الإسرائيلية، بما حملته من خروج واسع عما اعتبر من المسلمات السياسية، لتدفعنا لإعادة طرح الأسئلة القديمة حول قضايا الصراع بحثا عن إجابات جديدة، والأهم طرح أسئلة أخرى جوهرية لم تجد الشجاعة الكافية لطرحها أو طرحت بشكل هامشي. ومن تلك الأسئلة التي لم تطرح أوطرحت بشكل هامشي، تلك المتعلقة بالفلسطينيين في إسرائيل. إلى أين انتهت بهم آليات الإقصاء والإدماج التي واجهوها داخل إسرائيل لعقود ممتدة؟ وماهي الخيارات السياسية الأساسية التي انتهوا إليها في سياق تجربتهم السياسية الصعبة؟.
في تقرير مجموعة الأزمات الدولية مارس 2012: «العودة إلى الأساسيات: الأقلية العربية في إسرائيل والصراع الإسرائيلي – الفلسطيني»، نجد مدخلا جيدا للمناقشة. ليس هناك إجماع سياسي أوعلمي على الاسم المستخدم في وصفهم. تستخدم الوثائق الإسرائيلية مصطلحي «العرب الإسرائيليون» و«مواطنو إسرائيل العرب»، ولا تستخدم على الإطلاق «الفلسطينيون في إسرائيل». وفي حدود معرفتنا بالكتابات النظرية الإسرائيلية سنجد الخيار نفسه: « العرب الإسرائيليون». وخارج نطاق إسرائيل ينتشر وصفهم بمصطلحي: «عرب 1948» أو«فلسطينيو 1948». ومن الواضح أن الموقف الإسرائيلي في جوهره موقف سياسي، ونجد أصوله الواضحة في أدبيات الحركة الصهيونية قبل تأسيس إسرائيل، ويرى أن استخدام صفة الفلسطيني يفيد آليا وجود أمة تعيش في أرض فلسطين، وبالتالي تكتسب حركتها منطق الحركة القومية النقيض لمنطق الحركة الصهيونية. بعد 1948 واصلت إسرائيل التقاليد الصهيونية، ورفضت على مدى عقود استخدام مصطلح الشعب الفلسطيني. فلم تستخدمه إلا مع أوسلو عند الإشارة لشركاء أوسلو، لكنها واصلت نفس الموقف مع الفلسطينيين داخلها للسبب السابق، واستبعادا للاعتراف بما يربطهم بحركة التحرر الوطني الفلسطيني، ولمواصلة سياسات «الأسرلة» التي أطلقتها تجاههم. وهنا تظهر مفارقة سياسية. فعندما ننظر إلى السياسات الرسمية للجماعات الفلسطينية في المجال الحزبي والمدني الإسرائيلي، سنجد مصطلح العرب سائدا في خطابها عن ذاتها، وعلى سبيل المثال تحمل قوائم مرشحيهم للكنيست اسم « القائمة العربية»، وإذا ظهر وجدناه داخل تيارات فلسطينية قاعدية راديكالية. والتفسير واضح. فهو امتداد للبعد الإرادي في سياسات الإندماج السياسي المؤسسي التي تشارك فيها، ووسيلة لنفي الربط الميكانيكي بينها والسياسات الفلسطينية في الخارج بأعبائه السياسية الباهظة، وأداة لضمان أكبر مساحة من الفعالية الاتصالية مع قوى المجتمع المدني ومؤسسات الدولة.
لم يبق من الفلسطينيين سوى 160.000بعد حرب 1948، ومع نهاية 2009 ارتفع عددهم إلى 1.517.700 أي 20% من سكان إسرائيل. ويتركزون في ثلاث مناطق: «الجليل» شمالا، و«المثلث» بمحاذاة الضفة، وبدو«النقب» جنوبا. ويعيش أغلبهم في مناطق فلسطينية خالصة، تتوزع بين القرى بنسبة 63%، والمدن الصغيرة بنسبة 29%. ولا يعيش في المدن المختلطة سوى 8%. ومر الفلسطينيون منذ 1948 بمرحلتين أساسيتين. انتهت الأولى في 1966 وفيها خضعوا لمزيج متناقض من الحكم العسكري والرقابة والقيود على الحركة، مصحوبا بواجهة مشاركة برلمانية ويديرها حزب المابام الحاكم بالتعاون مع وجهاء محليين، ويشارك فيها من أسفل الحزب الشيوعي الإسرائيلي. وفى المرحلة الثانية انتهى الحكم العسكري، وحرر الفلسطينيون مشاركتهم الانتخابية من شكليتها القديمة، وانطلقت حركة مجتمعهم المدني، وعرفوا ممارسات الاحتجاج الجماهيري، ونجحوا في بناء ومراكمة تقاليد حركية وتنظيمية، ودخلوا في تفاعلات سياسية مع محيطهم الفلسطيني العام.
في سياق تلك الخبرة التاريخية، واجه الفلسطينيون تناقضا مستحكما. فهم أقلية قومية تمتلك وعيا تاريخيا بكونهم أصحاب البلاد الأصليين، ويشكلون جزءا من الشعب الفلسطيني في الشتات وحركة تحرر وطني خاضت معارك مجيدة وحظيت بالشرعية الدولية، وجزءا من عالم عربي وإسلامي وضع القضية الفلسطينية لعقود أعلى جدول أعماله. وهم أقلية محدودة القوة، خاضعة لتهميش وإفقار منهجي تمارسه مؤسسات الدولة وهياكلها الاجتماعية. وهم يواجهون سلطة دولة قوية وحديثة، أثبتت قدراتها على بناء مؤسسات الإدارة والسيطرة الداخلية، وخاضت معارك متواصلة مع محيطها العربي انتصرت في أغلبها. وقاد هذا التناقض إلى صياغة معادلة تنظم علاقاتها بسلطة الدولة الإسرائيلية، حدودها الاعتراف بشرعيتها والإندماج في نسق واجبات وحقوق مواطنتها، مع النضال من أجل تحويلها من دولة يهودية عنصرية إلى دولة ديمقراطية حقيقية تقوم على الحقوق المتساوية وتمنح أقليتها الفلسطينية حقوقها الجماعية.
مارس الفلسطينيون تلك المعادلة في سياق سياسي، يمزج بين آليتي الإقصاء والإدماج، مع السيطرة القوية لآلية الإقصاء. ولكن تلك السيطرة آخذة في التراجع المحدود. وجاء التراجع تحت تأثير صحوة سياسية فلسطينية انطلقت عام 1976 مع الإضراب العام احتجاجا على مصادرة أراضي الجليل، ومع صعود الاقتصاد الفلسطيني الحديث وانتشار التعليم وتكون طبقة وسطى فلسطينية جديدة. ثم تحت تأثير تطور آليات الإدماج الإسرائيلية، عبر تحول السياسات الرسمية كما حدث خلال حكم إسحاق رابين 1993 – 1996، وتأثير الجهاز القضائي الإسرائيلي وبالتحديد المحكمة العليا، وتأثير قطاع حقوقي ويساري من المجتمع المدني الإسرائيلي.
وهنا يبرز سؤال: هل ستواصل آلية الإقصاء تراجعها وتنتقل آلية الإدماج لمواقع السيطرة؟. الأرجح أن آلية الإقصاء ستواصل السيطرة ولكن بمعدلات أقل وطأة وشمولا، من واقع أنها تشكل امتدادا لطبيعة الدولة الإسرائيلية ذاتها كدولة يهودية ديمقراطية. وهي معادلة متناقضة جذريا، ويعي مؤسسوها عمق تناقضها ويسعون للتخفيف منه ولكن ليس لإلغائه، وذلك بالسماح بنمو البعد الديمقراطي تحت سيطرة البعد اليهودي.
وتبدو هيمنة سياسات الإقصاء في التمييز المنهجي، كما أرسته بعض القوانين الأساسية. واهمها قانون العودة 1950 الذي يمنح يهود العالم الحق في العودة والجنسية، وقانون الجنسية 1952 الذي يجعل من المستحيل للفلسطيني خارج إسرائيل الحصول عليها، والقوانين المنظمة للحصول على الأرض التي تمنح المواطن اليهودي فقط حق الحصول عليها، وقوانين الهوية اليهودية للدولة ورموزها، والقوانين المشاركة السياسية التي تشترط عدم مساسها بالهوية اليهودية للدولة، والقوانين مكانة اللغة والتراث والديانة اليهودية.
وتظهر سياسات الإقصاء سافرة عند تحليل الإنفاق العام. في 2006 كان متوسط الإنفاق العام على الفرد الفلسطيني أقل بنسبة 30% من متوسطه على اليهودي، وفي الأطفال العرب كانت أقل بنسب 52.1%. وفي 2008 نجحت السياسات الحكومية الرامية لخفض نسبة الفقر بنسبة 46.6% داخل اليهود الأكثر فقرا، بينما نجحت بنسبة 13.5% فقط داخل العرب. وتتمتع «المناطق ذات الأولوية القومية» بأولوية الإنفاق العام، ومن ضمن 553 منطقة لا نجد سوى أربع مناطق عربية.
وسنجد نفس دلالات الإقصاء في معدلات الفقر الفلسطيني. في 2006 كانت نسبة الفقر في العائلات العربية 54%، ووفقا لإحصائيات 2013 تصل نسبة الأسر الفلسطينية التي تعاني الفقر الحاد ضعفي ونصف نسبتهم دخل مجمل السكان. وترتب البيانات الإسرائيلية المجالس المحلية وفقا لمستوى الثراء، على عشر درجات متتالية تبدأ الأولى بالأكثر فقرا وتنتهي العاشرة بالأكثر ثراءً. وفي 2013 شكلت المحليات العربية 87% من المجموعات 1-3 و72% من المجموعات 1 -4، وغابت تماما عن المجموعات الأكثر ثراءً 7-10.
وتمنحنا علاقات العمل الفلسطينية نفس الدلالة. وفقا لإحصائيات 2010 كان معدل تشغيل الذكور العرب 73% من قوة العمل مقابل 80% لليهود، وفي حالة الإناث كان 27% للفلسطينيات مقابل 76% لليهوديات. وفي 2008 كان هناك 36 مدينة فلسطينية ضمن الأربعين مدينة ذات معدلات البطالة الأعلى في إسرائيل. ويتركز الفلسطينيون في أعمال تقليدية وجسدية تقع أدنى سلم الأجور، وفي 2010 وصل متوسط أجر ساعة عمل الذكور الفلسطينيين 43% من متوسط الذكور اليهود مقابل21% من متوسط الإناث. ويتركز قطاع الأعمال الفلسطيني في التجارة والبناء مع سيطرة الشركات الصغيرة جدا، وفي 2010 – 2011 لم تتخط مشاركتها في الصادرات 0.3%. وفي 2006 لم تتعد نسبة الفلسطينيين5.92 % من العاملين في الخدمة المدنية.
وتشير مؤشرات الصحة للظاهرة ذاتها. تفتقر المدن والقرى الفلسطينية للبنى الصحية المناسبة لعددهم. وفي 2007 كانت توقعات حياة الفلسطيني 79.7 عام مقابل 83.3 لليهودي، وبلغت معدلات وفاة الذكور الفلسطينيين 5.6 لكل ألف مقابل 4.1 لليهود، و3.9 لكل ألف من الإناث الفلسطينيات مقابل 2.9 لليهوديات. وفي 2008 كانت نسبة وفيات الرضع الفلسطينيين 6.5 لكل ألف مولود مقابل 2.9 للرضع اليهود.
ولا يختلف الأمر في التعليم. في 2000 – 2001 وصل متوسط الإنفاق على الطالب اليهودي أكثر من ثلاثة أضعاف الإنفاق على الفلسطيني. وفي العام نفسه كان هناك 4 معاهد لتدريب المدرسين الفلسطينيين مقابل 55 معهدا للمدرسين اليهود. وفي سنوات 2006 – 2008 كان معدل خروج الفلسطينيين من المدارس 8.7% في الصفوف 9- 12 مقابل 3.7% لليهود. وفي 2006 -2007 كانت نسبة اليهود المسجلين في التعليم العالي 9.1% من السكان اليهود مقابل 3.8% للفلسطينيين.
وتمنحنا ملكية الأرض أكثر المؤشرات دلالة. منذ 1948 توالى صدور قوانين مصادرة الأرض. في 1950 صدر قانون ملكية الغائبين وبموجبه انتقلت ملايين الدونمات من أملاك النازحين إلى الدولة، وفي 1953 صدر قانون بمصادرة أملاك 349 قرية عربية تصل مساحتها 1.3 مليون دونم، ثم توالى صدورها لتنتهي بسيطرة الدولة والصندوق القومي اليهودي على 93 % من أراضي البلاد. وانتهت تلك العملية إلى إقصاء الفلسطينيين عن ملكية الأرض، فرغم كونهم 20% من السكان لا يملكون سوى 3.5% من أراضي البلاد.