عرب 48 ولعنة الانقسامات في الانتخابات الإسرائيلية !!

د. عبد الحميد الموافي –

في الوقت الذي تتواصل فيه استعدادات الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في 22 مايو و31 يوليو و31 أغسطس من هذا العام على التوالي، خاصة بعد نجاح حوار القاهرة في تذليل كثير من العقبات بين حركتي فتح وحماس، فإن الأحزاب الإسرائيلية تزيد من وتيرة تحركاتها من أجل خوض انتخابات الكنيست الرابع والعشرين في الثاني والعشرين من مارس الجاري، أي بعد أقل من ثلاثة أسابيع، والمؤكد أن الانتخابات الفلسطينية، وكذلك الإسرائيلية تعد على جانب كبير من الأهمية، ليس فقط على الصعيدين الداخليين الفلسطيني والإسرائيلي، ولكن أيضا على المستوى الإقليمي، خاصة فيما يتصل بجهود إعادة تحريك عملية السلام ومساعي حل القضية الفلسطينية، بعد رحيل إدارة ترامب وصفقة القرن سيئة السمعة التي بشر بها ورفضها الفلسطينيون بقوة منذ اللحظة الأولى، مما ساهم في تعقيد الطريق أمام مساعي عرابها جاريد كوشنر، الذي نسيه الجميع باستثناء مريديه.
وإذا كانت الانتخابات العامة تمثل في الواقع أحد أهم السبل للممارسة السياسية، وأداة لإظهار الأوزان السياسية للقوى السياسية المختلفة على المستوى الشعبي أو الجماهيري، ومن ثم فإنها تمثل بوابة لإحداث التغيير أو تقوية الوضع القائم بين القوى السياسية في المجتمع المعني، خاصة إذا كان مجتمعا يقدر الممارسة الديمقراطية ويوفر سبل إنجاحها، فإن الانتخابات الإسرائيلية وكذلك الفلسطينية أقرب إلى أن تكون انتخابات «الاضطرار»، خاصة مع ما يراود بعض القوى الإسرائيلية والفلسطينية كذلك من آمال في كسب مزيد من التأييد على أرض الواقع بشكل أو بآخر، ومن ثم التمتع بقوة أكبر في التأثير على الخيارات السياسية على المستوى الوطني، وتحقيق مصالح أخرى، خلال الفترة القادمة.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هو هل هناك تقاطع ما بين الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية ؟ الواقع هو أنه في ظل معطيات الواقع والانقسام الفلسطيني الذي استمر منذ عام 2007 بين حركتي فتح وحماس حتى الآن من ناحية، والمناورات التي قام ويقوم بها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو على المستويين الاسرائيلي والإقليمي من ناحية ثانية، فإن نقطة الالتقاء الوحيدة هي الاستعداد بشكل أفضل لتطورات الفترة القادمة وما قد تفرضه إدارة بايدن أو تحاول فرضه من خيارات بشكل أو بآخر بالنسبة لتسوية القضية الفلسطينية، هذا فضلا عن حسابات المصالح الحزبية والفصائلية الضيقة على هذا الجانب أو ذاك، وهو ما يجعل من صفة «الاضطرار» لإجراء الانتخابات صفة صحيحة إلى حد غير قليل، بالنظر إلى أن الانتخابات العامة، الفلسطينية والإسرائيلية، قد جرى تقريرها في ظل معطيات واقع لم يتغير منذ سنوات، فنتانياهو في الحكم على رأس تكتل الليكود منذ نحو عشر سنوات، ويبدو أنه أدمن لعبة الانتخابات لتجديد فرص بقائه في السلطة في ظل تشرذم القوى السياسية الإسرائيلية المتصارعة والتي يسيطر عليها اليمين الاسرائيلي المتطرف. وعلى الجانب الآخر، فإن الوضع الفلسطيني لم يتغير منذ انتخابات عام 2006، وقد طرأت تغيرات عديدة فلسطينيا وإقليميا أضرت بالقضية وبالوضع الفلسطيني وبمكانة القضية الفلسطينية أيضا، وهو ما يقتضي ضرورة التعامل معها والدخول إلى ذلك من بوابة الانتخابات العامة التشريعية والرئاسية، برغم غموض بعض الجوانب، وبالطبع غموض النتائج المفتوحة على احتمالات كثيرة قد لا تكون في حسبان البعض، هذا إذا تمت كل مراحل الانتخابات في التوقيتات المحددة لها، كما هو مأمول، وتم الحفاظ على التوافق الفلسطيني الداخلي بشأنها في كل مراحلها، والتغلب على ما تثيره إسرائيل من عقبات وصعوبات مختلفة أمامها، حذرت منها حركة حماس في الأيام الأخيرة. على أية حال فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى بعض الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: أن انتخابات الكنيست الإسرائيلي في الثاني والعشرين من مارس الجاري، هي رابع انتخابات عامة خلال عامين تقريبا، فقد جرت انتخابات عامة في إسرائيل في أبريل 2019، ثم في سبتمبر 2019، ثم في مارس 2020، وعلى مدى الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، أي منذ عام 1996 فإنه تجري دورة انتخابات عامة كل عامين وأربعة أشهر في المتوسط تقريبا، وهو مؤشر لا يدل على حيوية وصحة المجتمع الإسرائيلي، بقدر ما يدل على عدم الاستقرار السياسي وعدم استقرار السياسات الإسرائيلية على امتداد أكثر من عقدين، وهو ما تزامن مع رحيل اسحق رابين وبعده شيمون بيريز، وخلو الساحة الإسرائيلية من قيادات سياسية مؤثرة وذات وزن، مما أفسح المجال أمام نتانياهو ليستمر في قمة السلطة. وبالنسبة للقيادات الجديدة، ومنها جنرالات، فإنها لا تزال تبحث عن تعزيز مكانتها على الساحة الإسرائيلية التي تزداد انقساما ويزداد فيها تأثير الأحزاب اليمينية والدينية المتطرفة على حساب قوى اليسار الإسرائيلي.
وليس من المبالغة في شيء القول إنه منذ انتخابات الكنيست التي جرت في مارس من العام الماضي، والتي خاضها نتانياهو تحت شعار ضم مزيد من أراضي الضفة الغربية، فإن نتانياهو كان يخطط بالفعل لعرقلة حكومة الوحدة الوطنية التي شكلها مع بيني جانتس زعيم حزب «ازرق – ابيض» قبل أقل من عام، خاصة بعد أن انجرف «جانتس» ومال إلى مجاراته في القبول بضم أراض في الضفة الغربية، وهو ما شوه صورة بيني جانتس سياسيا وافقده ثقة بعض الأطراف السياسية ومنها «القائمة المشتركة» التي تمثل الأحزاب العربية في إسرائيل. ولعل ما يعزز هذا الافتراض بوضوح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي تعامل مع اتفاقيات التطبيع – اتفاقيات ابراهام – التي تمت مع أكثر من دولة عربية أواخر العام الماضي، وبدفع من إدارة ترامب، على أنها إنجاز شخصي له، ولم يخطر بها وزير الدفاع بيني جانتس ورفض مشاركة وفد من الخارجية الإسرائيلية في التوقيع عليها وقدمها على أنها إنجاز شخصي له، وقبل أيام نجحت روسيا في التوسط بين إسرائيل وسوريا لتبادل معتقلين تم بمقتضاه إعادة فتاة إسرائيلية دخلت سوريا بطريقة غير مشروعة مقابل الإفراج عن راعيين سوريين كانا معتقلين في إسرائيل، ولم يخطر نتانياهو «جانتس» إلا بعد إتمام العملية وقد تراكمت خلافات عديدة حول الميزانية وحول موضوعات أخرى جعلت الانتخابات خيارا لا مفر منه، أو خيارا «اضطراريا» يريد نتانياهو تعزيز قبضته على الحكومة دون منازعة من حزب «جانتس» أو غيره، خاصة بعد أن تراكم لديه ما يقدمه كإنجاز له على مستوى تطبيع العلاقات مع عدة دول عربية وما يروج له في هذا المجال.
ثانيا: انه من المهم إلى حد كبير التوقف، ولو سريعا، أمام الدور السياسي الذي يقوم به عرب 48 أي العرب الفلسطينيون، الذين استمروا في إسرائيل منذ نكبة 1948 ويعيشون داخل الخط الأخضر كمواطنين إسرائيليين، نعم إنهم يقبضون على الجمر، ويخوضون معارك عديدة سواء لمواجهة العنصرية الإسرائيلية، وللحد من التهميش الاسرائيلي المتعمد لهم ولمدنهم وتجمعاتهم السكانية والخدمات المتوفرة لهم، فضلا عن القوانين الجائرة ومنها قانون القومية الذي يستهدفهم من خلال تبني مفهوم يهودية الدولة الإسرائيلية وتشجيع أنشطة الاستيطان في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلة. وفي الوقت الذي يعتبر عرب 48 أنفسهم جزءا من الشعب الفلسطيني، ويسعون من خلال نضالهم السلمي إلى خدمة القضية والحقوق الفلسطينية المشروعة، فإن الأحزاب الإسرائيلية حاولت اجتذاب بعض كوادرهم للانخراط فيها وتشكيل عناصر اتصال لاجتذاب أصوات عرب 48 بشكل أو بآخر. كما توجد عدة تنظيمات سياسية في أوساط عرب 48 من أهمها الحزب الديمقراطي العربي والقائمة العربية للتغيير برئاسة الدكتور أحمد الطيبي، والحركة الإسلامية التي انقسمت إلى الشق الشمالي بقيادة الشيخ رائد صلاح، والشق الجنوبي برئاسة الشيخ عبد الله نمر درويش وغيرها. وبرغم الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين من عرب 48، إلا انهم استطاعوا تجميع صفوفهم وأصبحوا يشكلون قوة سياسية لا يستهان بها، فقد حققت القائمة المشتركة 15 مقعدا في انتخابات مارس 2020، وهو ثقل انتخابي يحتاجه اليمين وكذلك اليسار الإسرائيلي لتشكيل الحكومة الإسرائيلية عقب أية انتخابات.
وبينما لا يريد تكتل الليكود ونتانياهو أن يتمتع عرب 48 بمثل هذه القوة المتنامية في السياسة الإسرائيلية، فإنه عمد بالفعل إلى العمل لتفتيت هذه القوة بقدر الإمكان. وبعد أن كان يحذر من التصويت لمرشحي القائمة المشتركة في الانتخابات الماضية، فإنه عمد في الأسابيع الأخيرة إلى محاولة احتوائها عبر زيارة بعض البلدات العربية ومن خلال التلميح باختيار أحد العرب الفلسطينيين وزيرا في حكومته القادمة التي يأمل في تشكيلها. وليس مصادفة أبدا أن تشهد القائمة المشتركة انشقاق «الحركة الإسلامية الشق الجنوبي» وإصرارها على خوض الانتخابات بقائمة منفصلة هي «القائمة العربية الموحدة»، وبينما أعرب أيمن عودة ود. أحمد الطيبي عن الأسف لانشقاق الحركة الإسلامية الشق الجنوبي واعترفا بفشل جهود رأب الصدع، فإن الحركة الإسلامية الشق الجنوبي لا تمانع من التنسيق مع القوى السياسية الإسرائيلية، الليكود أو غيره إذا كان ذلك يخدم مصالحها. كما ظهرت قائمة فلسطينية جديدة هي قائمة «معا»، وبذلك تكون هناك 3 قوائم لعرب 48 هي القائمة المشتركة، وهي الأكبر، وبعد أن كان لها 15 مقعدا فإن استطلاعات الرأي ترجح حصولها على 9 أو 10 مقاعد. والقائمة العربية الموحدة التي تمثل الحركة الإسلامية الشق الجنوبي وترشحها استطلاعات الرأي العام للحصول على 4 مقاعد إذا تخطت نسبة الحسم الضرورية للفوز في الانتخابات، وقائمة «معا» والتي لن تحقق نسبة الحسم على الأرجح. وعلى ذلك فإن عرب 48 لن يحصلوا إلا على 13 مقعدا على الأكثر إذا نجحت القائمة العربية الموحدة في تخطي نسبة الحسم، وإذا خسرت فإن القائمة المشتركة لن تتجاوز 10 مقاعد، بمعنى خسارتها لثلث مقاعدها في الكنيست بسبب انشقاق الحركة الإسلامية الشق الجنوبي.
على أية حال، فإن ما حدث ويحدث بالنسبة للقائمة المشتركة والمستقبل السياسي لعرب 48 ليس مصادفة، وليس مصادفة أيضا أن تكون الحركة الإسلامية الشق الجنوبي هي سبب الانشقاق برغم أن د. أحمد الطيبي أكد أن الخلافات معها هي خلافات سياسية وليست دينية، غير أن النتيجة ستصب لصالح نتانياهو واليمين الإسرائيلي الذي ينفذ حملة استيطان واسعة في القدس الشرقية والضفة الغربية.
من جانب آخر، فإنه في حين حذرت حماس من تدخل إسرائيل في الانتخابات الفلسطينية القادمة، فإنه يبدو أن السلطة الوطنية الفلسطينية تسعى إلى حث العناصر العربية في الأحزاب الإسرائيلية ومنها أحزاب «العمل» و«ميريتس» و تكتل «الليكود» على سبيل المثال، للدفع نحو الاهتمام بحل القضية الفلسطينية ضمن برامجها، وتقوم «لجنة التواصل مع المجتمع الاسرائيلي» التابعة للسلطة الفلسطينية بدور نشط في هذا الاتجاه ويترأس اللجنة محمد مدني القيادي في حركة فتح. غير أن تأثير السلطة الفلسطينية في الانتخابات الإسرائيلية يعد أضعف وأقل بكثير من تأثير إسرائيل في الانتخابات الفلسطينية لأسباب واعتبارات عديدة. وعلى أية حال فإن الانتخابات القادمة في إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة ستؤثر بالضرورة على إمكانات وفرص إعادة الحياة إلى عملية السلام وجهود حل القضية الفلسطينية التي تسعى إدارة بايدن إلى تنشيطها بشكل أو بآخر.