من الكربون إلى الهيدروجين

علي داوود اللواتي –

تشكّل صناعة وقود الهيدروجين الأزرق مدخلا ماليًا جديدا لدول الخليج العربي وخاصة تلك التي تملك احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، أو التي يصعب عليها التنافس في سوق الغاز الطبيعي لوحده. فمؤخرا أعلن وزير الطاقة السعودي -كما نشرت صحيفة بلومبيرج جرين- أنه لا يمكن تحدّي مكانة المملكة كأكبر مصدّر للهيدروجين، وقد شهد شهر سبتمبر الماضي تصدير أول شحنة بحرية في العالَم للهيدروجين الأزرق من المملكة إلى اليابان. ويبدو أن للسلطنة طموحات وخططا في المجال نفسه كما صرّح بذلك وكيل وزارة الطاقة والمعادن سعادة المهندس سالم العوفي في سياق حديثه عن محطة عبري للطاقة الشمسية شهر نوفمبر الماضي.

في البدء كان الهيدروجين

حسب النظرية العلمية السائدة حول نشأة الكون، وإذا ما أهملنا قوانين فيزياء الكمّ لبعض الوقت، فإن الهيدروجين هو أول عنصر يبرز على مسرح الوجود، بعد الانفجار العظيم. نعم، في وقت ما كانت كل المادة المتوفرة عبارة عن هيدروجين فقط، بروتون واحد موجب الشحنة وإلكترون واحد سالب الشحنة يدور حوله. وحتى يومنا هذا – رغم مرور مليارات السنين – ما زالت ذرات الهيدروجين هي الأوفر، حيث تشكل حوالي ٨٨% من ذرات الكون. من جهة أخرى، كل أشكال الطاقة على كوكبنا الأزرق هذا مصدرها الشمس، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وطاقة الشمس بدورها تأتي من اندماج ذرات الهيدروجين، حيث تقوم شمسنا بتحويل حوالي ٦٠٠ مليون طن من الهيدروجين في الثانية إلى هيليوم، وخلال هذه العملية يتحول حوالي خمسة ملايين طن من مادتها إلى طاقة، وبالرغم من ذلك فإنها من المتوقع أن تستمر في عملها لمدة لا تقل عن أربعة أو خمسة مليارات سنة أخرى.

الحل المثالي لطاقة نظيفة

في عصر يكافح فيه الإنسان للحفاظ على بيئته نظيفة وأقل حرارة، وذلك بالحد من استخدام مصادر طاقة ملوثة ومنتجة لغازات دفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون، يُقدم الهيدروجين كأحد الحلول المثالية لتحقيق ذلك، فهو مصدر نظيف تمامًا لا ينتج في نهاية العملية سوى طاقة وماء قابل للشرب كما هو الحال في قطاع المركبات الفضائية. ولكن المشكلة هي أن الهيدروجين نادرًا ما يتوفر حرًا طليقًا، إذ يكون أكثر استقرارا عندما يرتبط بذرات أخرى، كما عندما يرتبط بالأكسجين ليكوّن الماء أو كما يرتبط بالكربون لينتج الوقود الأحفوري، أي الفحم والنفط والغاز الطبيعي، ومن الطريف أن المكوّن الرئيسي لهذا النوع من الوقود الأكثر شيوعًا اليوم هو في الحقيقة الهيدروجين. على أن الهيدروجين في سياق استخدامه النظيف ليس مصدر طاقة بنفس المعنى الذي يكون به النفط مثلا مصدر طاقة، بل هو أقرب لأن يكون حامل طاقة. إذ تقوم التقنية الرئيسة لاستغلاله والمسماة بالتحليل الكهربائي على تمرير تيار كهربائي في المركّب الذي يحتويه، والذي عادة ما يكون الماء، بغرض عزله عن الذرات الأخرى، ثم يتم فصل الشحنات السالبة منه عن طريق عامل حفاز عادة ما يكون البلاتينيوم، لتُنتج الإلكترونات المتحررة تيارا كهربائيا بحركتها، أي أننا في النهاية نحصل على طاقة كهربائية.
تتم عملية إنتاج الكهرباء من غاز الهيدروجين في ما تسمى خلايا الوقود، وهي تقنية مطبّقة فعلا، حيث توجد حاليا مركبات في السوق تعمل بها مثل مركبة تويوتا ميراي. المستقبل كما يبدو هو للمركبات الكهربائية، وهذه إما أن تنتِج الكهرباء عن طريق بطاريات كما هو الحال مع مركبات شركة تسلا، أو تنتج الكهرباء عن طريق الهيدروجين. ويشهد سوق المركبات تنافسا بين هذين المصدرين للمركبات الكهربائية من جهة، وبينها وبين المركبات التي تعمل بالوقود الأحفوري من جهة أخرى، والأكفأ هو الذي سيتصدر المشهد، ولكن ربما يستقل كل منها بمجاله الخاص ويثبت كفاءته فيه أكثر من غيره. حيث يمكن أن تسيطر البطاريات على سوق المركبات الخفيفة – رغم تميز الهيدروجين عن البطاريات في بعض الجوانب كسرعة التزود به وعدم الحاجة إلى الاستبدال – بينما يحتل الهيدروجين سوق المركبات الثقيلة والتي بدورها ستحتاج إلى بطاريات أكبر وأثقل وأكثر كلفة. وهناك، أيضا، أبحاث جارية لتطوير آلة الاحتراق الداخلي المعروفة بحيث يمكن استخدام الهيدروجين فيها بشكل نظيف وفعّال عوضا عن البترول أو الديزل.
حلول مبتكرة

إن ما يثقل كاهل تقنية التحليل الكهربائي وخلايا الوقود هو كلفة تحرير الهيدروجين كغاز مستقل من جهة، واستخدام البلاتينيوم الثمين لإنتاج الكهرباء من جهة أخرى، بالإضافة إلى صعوبات أخرى متعلقة بتخزين الهيدروجين ونقله بالمواصفات المطلوبة وبأدنى حد من خسارة فاعليته. ينتَج أغلب الهيدروجين الأقل كلفة اليوم من الغاز الطبيعي، الأقل ضررا من الفحم والنفط، ويُطلق عليه الهيدروجين الرمادي إذا لم تُتخذ أي إجراءات وقائية للتعامل مع مصاحبه ثاني أكسيد الكربون، كما يُطلق عليه الهيدروجين الأزرق في حال تم عزل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه بشكل آمن. وتتجه الأنظار منذ سنوات إلى مصادر الطاقة المتجددة لتحل محل الغاز الطبيعي في إنتاج الهيدروجين، والذي يطلق عليه حينئذ الهيدروجين الأخضر، حيث يتم استخدام الكهرباء المتولدة من هذه المصادر لتحرير الهيدروجين، ولكن ذلك قد يأخذ بعض الوقت ويتطلب أن تحل هذه المصادر محل الوقود الأحفوري لإنتاج الكهرباء للأغراض الأخرى أولا. على أن التحليل الكهربائي ليس هو الطريق الوحيد لإنتاج الهيدروجين فهناك تقنيات مبتكرة جدا وقيد التطوير قد تثبت كفاءتها أيضا، مثل تقنية التحليل الضوئي التي تستخدم ضوء الشمس مباشرة لتحرير الهيدروجين دون الحاجة إلى تمرير تيار كهربائي، وتقنية محوّلات البلازما التي تحوّل النفايات المتنوعة إلى معدن مصهور وعجينة زجاج وخليط غازي يتكون غالبا من الهيدروجين، وكذلك تقنية خزّانات التخمير الكبيرة المملوءة بعضويات مجهرية تنتِج كميات كبيرة من الهيدروجين عبر هضم كتلة حيوية. كما يمكن لتقنية التحليل الكهربائي أن تتعاون مع مصادر الطاقة المتجددة لخفض كلفتهما الاقتصادية معا، وذلك عبر عملية «تسوية الحمل». حيث يمكن تخزين طاقة الكهرباء المنتَجة من مصادر الطاقة المتجددة في غير أوقات الذروة عبر إنتاج الهيدروجين، والذي يمكن أن يُستغل لاحقا وفي أي وقت لإنتاج الكهرباء. أما تخزين ونقل الهيدروجين نفسه فيشكّل تحدّيا ملحوظا لأغلب شركات صناعة المركبات، ورغم توفر بعض التقنيات المهمة في المجال إلا أنها ما زالت بحاجة إلى المزيد من البحث والتطوير. ومن جهة أخرى، هناك الحاجة للاستثمار في البنى الأساسية لطاقة الهيدروجين خاصة محطات التزود به على غرار محطات البترول والديزل.

السلامة أولا وأخيرا

من حيث السلامة والأمان، فإن وقود الهيدروجين لا يُعتبر خطرا، أو على الأقل ليس أكثر خطرا من الوقود الأحفوري والكهرباء التي نستعملها بشكل يومي، فقد موّلت بعض الشركات سلسلة اختبارات لتقييم درجة السلامة في المركبات في حال تم تسييرها بوقود الهيدروجين كسلسلة الفحوص التي موّلتها شركة فورد بجامعة ميامي في عام ٢٠٠١م، والتي انتهت إلى النتيجة المذكورة.
«يتمتع الهيدروجين اليوم بزخم غير مسبوق. يجب على العالم ألا يفوّت هذه الفرصة الفريدة لجعل الهيدروجين جزءًا مهمًا من مستقبل الطاقة النظيفة والآمنة »

*فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية.