أمــة لا تـصـنـع دواءهــا..

زاهر بن حارث المحروقي –

ممّا يؤسف له أنّ جائحة كورونا عرّت الوطن العربي، وأكدت – ما هو مؤكدٌ أصلا – أنّ العرب يعيشون على الهامش، متخلفين عن الركب بما يهدِّد يومهم وغدهم، إذ هم عالة على البشرية، وهم أقرب ما يكونون إلى متسولين لأسباب الحضارة، وذلك عندما اهتمت دول العالم بإيجاد العلاج للفيروس، فيما بقي العرب ينتظرون ما تجود به قرائح علماء العالم من أدوية ولقاحات، مع كثرة الحديث عن نظرية المؤامرة، وكأنّ العرب هم المستهدفون بتلك اللقاحات حتى ينقرضوا، ولو أنهم أنتجوا دواءهم ولقاحاتهم، لما تفرغوا لنظرية المؤامرة، بغضِّ النظر عن صحة ذلك من عدمه. (والحديث عن المؤامرات حديثٌ طويل ليس مكانه في هذا المقال).
هناك بالتأكيد أسبابٌ كثيرةٌ للتخلف العربي، لا يمكن حصرها في مقال واحد؛ ومن هذه الأسباب عدم الاهتمام بالعلم والعلماء، إذ انصبّ التعليم على تخريج حفظة للعلم، يكون مصيرهم النهائي هو البحث عن وظيفة فقط. ورغم الكثرة الواضحة لحَرف الدال مع النقطة قبل الاسم في الوطن العربي، إلا أنّ حاملي ذلك الحرف هم غثاء كغثاء السيل، فلم يضيفوا شيئًا للأمة، لأسباب قد تكون خارجة عن إرادتهم، بسبب الجو العام والظروف المحيطة بهم، وأحيانًا بأسباب تعود إليهم، فكانت النتيجة أن نشأ جيلٌ صغرت طموحاته وانحصرت في الوظيفة، وإذا كبرت الطموحات فإنها لا تتعدى فتح المقاهي في الجامعات، واهتمت بعض الدول ببناء الأبراج وناطحات السحاب بأيدٍ أجنبية وتخطيط أجنبي، وكأنّ تلك الأبراج هي قمة التطور والحضارة. وكان الأولى بالعرب أن يستفيدوا من تجربة الهنود، الذين غزوا العالم بعلمائهم ومبتكراتهم، وأضحوا مسيطرين عليه بقواهم الناعمة، دون استخدام الدبابات والأسلحة الفتاكة.
ومن أسباب التخلف أيضًا غياب مراكز بحث حقيقية تقدّم الدراسات والحلول والمقترحات، وتقدّم قراءاتها للأحداث واستشرافاتها للمستقبل، وإذا وُجد بعضٌ منها فإنه لا يُؤخذ بدراساته. وخلاف مراكز الأبحاث ففي الأمة مفكرون وعلماء، فتح الله عليهم فأناروا الطريق، إلا أنّ أفكارهم وأقوالهم ذهبت سدى، ولم يُنتبه لها إلا بعد فوات الأوان. وهذا ما حدث مع المفكر الراحل مصطفى محمود – كمثال فقط – الذي تحدّث في برنامجه «العلم والإيمان»، في منتصف الثمانينيات، عن العالم إذا انتشرت فيه الفيروسات، فصوّر الواقع الذي نعيشه الآن في كلمات موجزات، وكأنه كان ينظر إلى الغيب، عندما قال: «لو انتشر فيروس قاتل في العالم، وأغلقت الدول حدودها وانعزلت خوفًا من الموت المتنقل، ستنقسم الأمم بالغالب إلى فئتين؛ فئة تمتلك أدوات المعرفة تعمل ليلا ونهارًا لاكتشاف العلاج، والفئة الأخرى تنتظر مصيرها المحتوم، وقتها ستفهم المجتمعات أنّ العلم ليس أداة للترفيه بل وسيلة للنجاة». وهذا ما حدث الآن بالضبط مع انتشار فيروس كورونا في العالم، ومع تسوّل العرب للدواء واللقاحات.
طوال عام 2020م وحتى اللحظة، انتشر مقطع الفيديو الذي تحدّث فيه الراحل مصطفى محمود عن انتشار الفيروسات وانقسام العالم إلى فئتين، وكتب عنه الكتّاب، وتفاعل معه نشطاء مواقع التواصل بكثرة، ممّا طرح سؤالا ملحًا على نفسي وهو: كيف استقبل المشاهدون ذلك الكلام حينها؟ وماذا لو كانت الدول اهتمت بمثل تلك التنبؤات واستشرفت المستقبل واستعدت له؟
مع انتشار وباء كورونا، نقلت الأخبار اهتمام العالم بوضع حد لانتشاره، من الصين شرقًا حتى أمريكا غربًا، ورأينا أنّ الدول المحيطة بالوطن العربي نشطت في صناعة الدواء واللقاح، مثل إيران والهند وتركيا. واستغل الكيان الصهيوني الوباء لصالحه عندما أعلن عن إقامة مصنع اللقاحات في إسرائيل بمشاركة دول عربية، عندما كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عن إجراء مفاوضات مع شركتي «فايزر» و«وموديرنا» لإقامة مصنع في إسرائيل، يتولى توزيع اللقاحات على دول المنطقة. ويهدف الكيان من وراء إقامة هذا المصنع إلى «تحويل إسرائيل إلى مركز عالمي لتصنيع وتطوير وتوزيع اللقاحات على دول المنطقة» حسب تغريدة نتانياهو، الثلاثاء السادس عشر من فبراير 2021. والأغرب هو أن تتسابق الدول العربية المُطبِّعة إلى دعم هذا المصنع بالاستثمار فيه.
كان نصيب العرب هو التسابق في شراء تلك اللقاحات؛ وهذا وحده يكفي لأن يتجدّد طرح السؤال: أين العرب من هذه الصناعات؟ وما هو الخلل؟ وكيف سيكون غدهم؟
وإذا كان العرب من الفئة التي تنتظر مصيرها المحتوم لعجزها في صناعة دوائها، فالأمةُ بحاجة إلى إعادة الصياغة من جديد. ويكفي ما عاناه الجيل العربي خلال الثلاثين أو الأربعين عامًا الماضية من ضياع، بسبب بعض التوجهات التي زَرَعت الانقسام في الشباب، وشغلت شباب الأمة بأمور جانبية وهامشية، كفتن المذاهب، والجهاد الخطأ، وذلك بسبب السياسات التي اتّبعتها بعض الدول لإبعاد الشباب عن الاهتمام بالأمور الأساسية كالمطالبة بالحقوق والحريات وغيرها، فكان الأسهل هو توجيه الشباب إلى الجهاد بعيدًا عن داخل الوطن، قبل أن يرتد المارد إلى الداخل، وقد غاب عن الشباب «فقه الأولويات»، وأصبح الكثيرون يأخذون قشور الدين على حساب الجوهر، وأصبح التقاتل باسم المذاهب هو السمة الأساسية لبعض المتدينين – إن لم يكن لأغلبهم – والنتيجة هي كما نراها الآن.
والراحل الشيخ محمد الغزالي صوّر موقفًا واحدًا من المواقف التي مرت به، إلا أنّ هذا الموقف يشرح الكثير. حدث ذلك عندما احتدم نقاشٌ حاد بين شابين عن وجوب «سنة تحية المسجد» أثناء خطبة الجمعة؛ فجاءه أحد الشباب يسأله عن ذلك. فسأله الشيخ ماذا تشتغل أنت؟ أجاب أنه صيدلاني، فقال له الشيخ الغزالي: «لماذا لا تنصر الإسلام في ميدانك، وتدع هذا الموضوع لأهله؟ إنّ الإسلام في ميدان الدواء مهزوم. ولو أراد أعداء الإسلام أن يسمّموا أمته في هذا الميدان لفعلوا، ولعجزتم عن مقاومتهم. أليس من الأولى بك أن تصنع شيئًا لدينك في ميدانٍ خلا منه، بدل الدخول في موازنة بين الشافعي ومالك»؟ وكان من رأي الشيخ الغزالي أنّ كثيرًا من الشباب يظنون أنّ التقوى هي بذل وقت أكبر في سماع الخطب والدروس الدينية والأخذ بقدر يسير من شؤون الدنيا وعلوم الحياة، «فالإسلام لا يكسب خيرًا من هذا المسلك، ولا تنتصر عقائده إذا كان أهله في بلاهة الهنود الحمر مهما كانوا حسني النية»؛ وكانت نصيحته «املك أيها المسلم ناصية الحياة بعلم واقتدار تقدر على نصر الحق الذي تعتنق».
معظمنا يعلم مدى تأثير جائحة كورونا على اقتصاديات دول العالم، وعلى الدول العربية الغنية، في وقت توقع فيه البنك الدولي أن تؤدي هذه الجائحة إلى زيادة كبيرة في أعداد الفقراء مدقعي الفقر، فماذا نستطيع أن نقول عن معاناة الدول العربية وعجزها عن صناعة الأدوية واعتمادها في ذلك على الآخر حتى وإن كان هذا الآخر هو إسرائيل؟!
قديمًا قال الأديب جبران خليل جبران: «ويلٌ لأمة تأكل ممّا لا تزرع، وتلبس ممّا لا تخيط، وتشرب ممّا لا تعصر»، وهو قولٌ يختصر حالة الأمة العربية التي حباها الله الخيرات، وفتح لها من خزائنه ما لم يفتح لأمة أخرى، إلا أنّ تلك الخيرات أصبحت وبالا على الأمة، بسبب الفساد وسوء التخطيط، وبسبب محدودية الطموحات.
إنّ أمة لا تهتم بالعلم ولا تصنع دواءها ولا تنتج غذاءها، وتعتمد في جميع شؤونها الحياتية على الخارج، لن يُكتب لها الحياة، ولن تستفيد من قشور الحضارة المتمثلة في البنايات التي أقامتها، أو في كثرة الجامعات فيها، التي هي أقرب للمباهاة فقط. وفي كلِّ الأحوال فإنّ جائحة كورونا قد كشفت الكثير من المستور.