إلى أي حد تربك الأحداث قناعاتنا؟

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

هنا في هذه المناقشة ثمة علاقة بين القناعات التي نؤمن بها، ونطمئن إليها وبين مجموعة الأحداث التي تشهدها حياتنا العامة أو الخاصة، وهذه العلاقة تذهب أكثر إلى إرباك القناعات في الغالب وتأسيس قناعات أخرى تتوافق أو تختلف مع هذه الأحداث وهذه مسألة أخرى، ولكن النتيجة أن هناك قناعات جديدة تحل على الواقع، وهي التي سوف تقول كلمة الفصل في تسيير الأحداث، ويبقى الامتحان العسير على الفرد هل يستطيع أن يتوافق مع الجديد، أم يظل أسير نفسه؟

تعلق الإجابة هنا لظروف كل فرد على حدة، وهذا الفهم ذاته ما يشير إلى تبدل عقائد الأفراد المؤصلة بالنص أو بالعرف، سواء عقائد دينية، أو اجتماعية، أو ثقافية، وعلى ما يبدو أن كل ما يمر بذاكرة هذا الإنسان، وما يستوعبه في مرحلة ما من مراحل حياته، هو قابل للتغير، والتبدل، ولا يبقى إلا ما يقنع هذا الفرد بأن في بقائه على ما يؤمن به هو الغاية المطلقة في تحقيق مصلحته، ومع ذلك لا ينكر حرص الشعوب على قناعاتها، وعلى عقائدها التي تؤمن بها، حتى في خضم الأحداث الكبيرة، سواء تلك الأحداث التي يفرضها المحتل، أو الأحداث التي فرضت نفسها في ظل تقلبات الحياة، ومتطلباتها، وإلا لما واجه المستعمرون ذلك الكر والفر من قبل أبناء الشعوب المستعمرة، حتى نالت استقلالها دون أن يفت المستعمر شيئا من إيمانها بنفسها، وبعقائدها، وبقناعاتها.
من جميل ما قرأت مقال تحت عنوان: (هندسة الجهل) لكاتبه: (محمد الحاجي) ومن ضمن ما كتبه: «لا غريزة بشرية تنافس غريزة حب البقاء، ولذا من الممكن أن تبيع السمك في حارة الصيادين عندما تهدّد أمنهم وبقاءهم!» – انتهى النص – ولن تصل حالة أفراد حارة الصيادين إلى هذه الدرجة من الخوف عن الخروج للصيد إلا أن تجثم الأحداث على صدورهم ونفسياتهم، فتشل جزءا كبيرا من إيمانهم بأنفسهم، وإيمانهم بقناعاتهم، وإيمانهم بحقيقتهم، فالإيمان بالحقيقة أمر يظل في غاية التعقيد، فما يراه أحد ما حقيقة، يراه آخر غير ذلك تماما، مما يؤدي إلى إرباك القناعات، والعودة إلى المربع الأول من جديد للبحث عن قناعة أخرى يمكن اعتمادها، والاتكاء عليها، وإذا كانت الأحداث هي ما يصنع هذا الخوف، أو الارتباك، فإن ذات الأحداث تنشئ واقعا جديدا من شأنه أن يعزز البقاء، ويتجاوز الخوف، ويلهم الأفراد منطلقات قادرة على مواجهة الصعاب.
مشكلة القناعات أنها تتأثر بسرعة في خضم الأحداث الكبيرة، حتى وإن عمرت في الذاكرة ردحا من الزمن، لأن للإرباك والتشويش الذي تفرزه الأحداث هي التي تتصدع من خلالها القناعات، قبل فترة وجيزة كنت أناقش مع أحد الأخوة مسألة «التباعد الجسدي» بين أفراد المجتمع في ظل ضرورة جائحة كورونا (كوفيد19) وتأثير ذلك على تولد قناعات جديدة بعدم أهمية التقارب، خاصة إذا عمرت هذه الجائحة أكثر مما هو متوقع، فالآن مرت سنة كاملة على بدء تطبيق الاحترازات الصحية في حالتنا هنا في السلطنة وهي ضرورة، وليست خيارا متاحا للبحث عن بديل، والخوف هنا يذهب إلى الذاكرة الصغيرة، فالطفل الذي عمره (3) سنوات قبل بدء الجائحة، يكون عمره الآن (4) سنوات، بمعنى أن وعيه أصبح أكبر بما يدور حوله، خلال السنة التي مرت، فقد شيئا كبيرا من كثافة اللقاءات التي غالبا ما تتم بين أفراد الأسرة الواحدة لتعزز بقاءها الأسري، وهناك أسر كما أسمع أنها لم تجتمع لأكثر من (3) أشهر، إلا زيارات خاطفة يقوم بها الأب أو الأم، من كل طرف، فلو انضمت سنة أخرى يكون عمر هذا الطفل (5) سنوات، بمعنى آخر هناك سنتان فاصلتان عن تأصيل عرى التواصل، والتقارب بين أفراد الأسرة الواحدة، وأتصور أنه ليس من السهولة بمكان تعويض هاتين السنتين لعودة المياه إلى مجاريها كما يتوقع، وبمعنى آخر أن هناك فرصة كبيرة لاستمرار التباعد بين أبناء الأسرة الواحدة، حتى لو عادت الحياة تدريجيا بعد ذلك، وقس ذلك على مستوى أبناء المجتمع ككل، فالمساجد والمجالس التي كانت تعج بمرتاديها، تلحم الكثير من الثغرات في مسألة تباعد الأفراد، لم تعد حاضرة كما كانت، لنفس الأسباب، وهذا ينسحب على نفس التوقع لحال التباعد بين أفراد الأسرة الواحدة.
بعض المصطلحات المعرفية تعيد لنا التفكير من جديد في قضايا الحياة اليومية، فمصطلح «عقلية القطيع» الذي تتبناه الوسائل الإعلامية غالبا، لإيصال رسائلها، هو مصطلح اجتماعي بامتياز، ويمارسه أبناء المجتمع بصورة مستمرة، دون الوعي بمسمى المصطلح «عقلية القطيع» فيكفي أن يبث أحد أبناء المجتمع «إشاعة» ما، إلا وترى وتلمس أن القناعات تغيرت عند كثير من الناس بدوران زمني (24) درجة، وكأنك تعيش في ذهول مما ترى وتسمع، فتعتقد مع نفسك أنك تعيش بين أفراد ليست عندهم قناعات أكيدة، وإنما مجرد ملمح فهم؛ لأمر ما، قابل هذا الملمح أن يتوارى سريعا مع أي ملمح آخر مناقض، وهذه مسألة جد خطيرة، وإذا والحالة هكذا؛ كيف للأفراد في المجتمع أن يتبنوا مواقف جماعية؛ إذا كان الفرد الواحد غير قادر عن أن تكون له قناعات أكيدة، حول أمر ما من أمور الحياة الخاصة، قبل العامة؟ لذلك أسمع كثيرا عن أناس ضمن الفئة المستحقة لأخذ لقاء (كوفيد19) يرفضون أخذ اللقاح، مع أن أخذه ضرورة صحية ملحة، وخاصة في أعمارهم، وفي أوضاعهم الصحية الخطيرة، وهذا الرفض، إن هو موجود حقيقة، عائد إلى كثرة الإشاعات المثارة، وإثارة الشكوك حول اللقاح، مما أثر ذلك على قناعات الناس وألبستهم الحيرة والتردد، والخوف أكثر مما قد تجلبه هذه اللقاحات على آخذيها من منافع صحية، مع أن هناك توجيهات وإرشادات تذهب إلى التخفيف من حدة هذه المعلومات المغلوطة المتداولة، وأن عدم أخذ اللقاح، ربما قد يؤدي إلى ما هو أسوأ، ولأن حالة الإرباك حدثت قبل اعتماد اللقاح، فسوف تواجه الجهات المعنية بالصحة الكثير من المشقة في عودة القناعات إلى هذا الجمهور العريض بالعودة إلى أخذ اللقاح، والاطمئنان على نجاعته، وأنه يبقى الخيار الأهم في مكافحة فيروس «كورونا» على المدى البعيد.
كل مجتمعات الدنيا تعيش مصطلحي: الثقافة الشعبية وثقافة النخبة، والفهم تجاههما يذهب إلى أن الثقافة الشعبية أكثر ديمومة من ثقافة النخبة، والارتهان على ذلك يذهب إلى مجاميع الثقافة الشعبية، وأن هذه المجاميع هي التي لها القدرة على بناء المواقف أكثر، فـ«النخبوية» وعلى الرغم من قدرتها على صياغة مواقف أكثر تنظيما وقوة، إلا أنها تخونها الكثرة، والصوت الواحد يبقى ضعيفا، وإن ملك معززات القوة المعرفية، فهذا لا يكفي، ولعلنا نستحضر تجربة المناضل الهندي المهاتما غاندي في محاربته للاحتلال الإنجليزي، فقد راهن على المجاميع الشعبية في نضاله تجاه المحتل، حتى تحقق له ما أراد، مع أن النخبة حاضرة ومتوافقة؛ ربما مع فلسفته، ولكن لمحدودية تأثيرها في هذا النضال، فلم تقدم الكثير لأجل تحقيقه، والشيء بالشيء يذكر في هذا الموقف بالذات، حيث تروى قصة للسفير البريطاني عندما مر بسيارته الفارهة في وسط أحد الأسواق في العاصمة الهندية، فقد رأى بقرة تتبول، فنزل من سيارته وقدم رأسه لبول البقرة وتغسل به، فتهاوت كل الجموع البشرية الحاضرة في ذلك المكان وفعلت مثل ما فعل السفير، وعندما ركب سيارته من جديد، عاتبه سائقه الإنجليزي على هذا التصرف الغريب، فرد عليه السفير: أنه بذلك عزز ثقة المواطن الهندي بموروثه وبتقاليده، لكي يظل أسيرا بها ما بقي على هذه الأرض، وأنه بذلك يبعده عن فكرة التحرر، والمطالبة بحياة مخالفة؛ أكثر انفتاحا، وأكثر تحررا، وأكثر استقلالا؛ فهو لم يأت ليحرره عن كثير من قناعاته، وإنما ليكرسها في الذاكرة الاجتماعية فتتيح له فرصة بقاء الاحتلال أكثر، بالإضافة إلى ترسيخ قناعة مفادها؛ أن هذا المحتل الذي يعيش بينهم لن يكون سيئا فهو يشاركهم الإيمان بمعتقداتهم – وهي المهمة – فإذن لا خوف منه على مستقبلهم.