صناعة السفر بعد الجائحة

الإيكونومست – ترجمة قاسم مكي –

الأمتعةُ تفكِّك وتبيِّن الكيفيةَ التي تَغيِّر بها السفر الدولي عبر العصور. فالمغامرون وجوَّابو الآفاق في عصر الاكتشافات الجغرافية بالقرن الخامس عشر كانوا يسافرون على متن السفن الشراعية الإسبانية المملوءة عن آخرها بالمؤن لرحلاتٍ قد تستغرق سنوات. وأرستقراطيو القرن الثامن عشر الذين تجولوا حول أوروبا في «رحلات طويلة» تمتد شهورا كانوا يستخدمون في ترحالهم مركبات تجرها الخيول ومكدسة بصناديق الأمتعة وبالخدم، بل وحتى بالأثاث.
أما حقيبة السفر فقد ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر عندما شاعت بين الأثرياء عادة قضاء عدة أسابيع في الخارج. وبحلول سبعينات القرن العشرين توجَّب على السياح ورجال الأعمال الذين يسافرون في رحلات تستغرق أياما قليلة نقلُ أمتعتهم الشخصية عبر مساحات شاسعة داخل مباني المطارات الضخمة. ومن هنا جاءت الحقائب المسحوبة على عجلات لترمز إلى عصر سفر الأعداد الغفيرة من الناس.
يعكس قدوم الحقائب المجرورة (المزودة بعجلات) انخفاض تكلفة وزيادة سرعة سفر المسافات البعيدة. فأسعار تذاكر الطيران الأرخص وارتفاع الدخول وتوافر المزيد من الوقت لأغراض الترفيه كلها عوامل جعلت الرحلات إلى البلدان الأجنبية ممارسة روتينية وقضاء الإجازة في الخارج متاحة في البلدان الغنية للعديدين الذين يرغبون بالهروب من توتراتهم اليومية.
يتيح السفر تجارب وذكريات جديدة (أو لحظات يمكن تسجيلها على انستجرام) ويوسع من آفاق كل العقول المسافرة. وكما أوضح الكاتب والروائي الأمريكي مارك توين فإن «السفر قاتل للتحيز والتعصب وضيق الأفق».
سهولة السفر لم تقتصر فقط على تعزيز السياحة. فمع انتشار الشركات حول العالم انتشر العاملون كذلك. كما تحافظ رحلات العمل على روابط سلاسل الإمداد والشركات المتعددة الجنسية. وجعلت إمكانية الرحيل بعيدا الناسَ ينتشرون حول العالم للعمل أو التعليم أو لمجرد التغيير (الترويح عن النفس). ومع تفرُّق العائلات كذلك زادت الحاجة إلى التواصل بين أفرادها وحضور الأعراس أو حفلات أعياد الميلاد. لقد جمع السفر أشتاتَ العالم بتمكين العائلات والأصدقاء من العيش في أماكن متباعدة.
لكن حتى وقت قريب كانت قلة من الناس تسافر بعيدا. فالسفر كان بطيئا وصعبا وباهظ التكلفة عندما اعتمد على الرياح (السفن الشراعية) وقوة الحصان (المركبات التي تجرها الخيول). لكن قوة البخار والسكك الحديدية يسَّرت السفر بعض الشيء.
كان الانتقال بعيدا حتى قبل 100 سنة يتطلب استخدام السفن العابرة للمحيطات أو المناطيد. وتلك كانت وسائل مكلفة للسفر. فسعر تذكرة «الغرفة» في الدرجة الأولى على السفينة «تايتانك» عام 1912 كانت تبدأ بحوالي 30 جنيها استرلينيا (3500 جنيه استرليني بقيمة اليوم). وتكلف تذكرة السفر عبر المحيط الأطلسي على متن المنطاد «هينيدبورغ» 400 دولار عام 1936 (كلاهما تذكرة لاتجاه واحد، كما اتضح لاحقا).
اقترنت القفزة الكبيرة في حجم السفر الدولي بوسيلة الطيران. فرحلة القطار على خط السكة الحديد العابر لسيبيريا من بيجينج إلى موسكو تستغرق 5 أيام لكن الطائرة تقطع نفس المسافة في حوالي 7 ساعات. رغما عن ذلك كان عامل التغيير الحقيقي رخص تذاكر الطيران. تقول منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة في عام 1950: سافر 25 مليون شخص فقط إلى الخارج. لكن بحلول عام 2019، زادت أعداد المسافرين إلى 1.5 بليون شخص (لا يشمل هذا الرقم المهاجرين واللاجئين والزيارات التي تمتد لأكثر من سنة).
كما قَدِم وغادَر ما يقرب من ثلاثة أخماس المسافرين الدوليين بالطائرة في عام 2019، مقارنة بحوالي 5% فقط ممن سافروا عن طريق البحر وواحد بالمائة بالقطار. ومعظم المسافرين الذين عبروا الحدود الدولية بالسيارة (35%) كانوا أوروبيين. فهؤلاء سكان أكبر سوق للسفر في العالم ويستفيدون من ميزة صغر مساحة قارتهم وجودة طرقها.
الدافع الرئيسي للسفر إلى الخارج قضاء الإجازة لحوالي 55% من المسافرين. وتشكل رحلات العمل 11% من إجمالي الرحلات الخارجية. ومعظم باقي الرحلات لزيارة العائلات أو الأصدقاء في بلدان أخرى. كما يسافر البعض لأسباب دينية (يزور 2 مليون مسلم مكة لقضاء مناسك الحج في كل عام). وسافر حوالي 15 مليون شخص لأغراض العلاج في عام 2017.
ضخ المسافرون الدوليون نقودا كثيرة في خزائن وسجلات المدفوعات النقدية بالفنادق والمطاعم ومكاتب استئجار السيارات وشركات تنظيم الرحلات السياحية. وبلغ إجمالي إنفاقهم 1.5 تريليون دولار عام 2019.
قبل جائحة كوفيد-19 ساهم السفر بحوالي 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي و6.9% من الوظائف في نادي البلدان الغنية بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بحسب منظمة التجارة العالمية.
إجمالا، وبناء على تقديرات المجلس العالمي للسفر والسياحة، يوفر قطاع السفر والسياحة 330 مليون وظيفة، أو وظيفة واحدة من بين كل عشرة من إجمالي الوظائف في العالم.
لقد عصف كوفيد-19 بصناعةٍ تعتمد على حرية الناس في التنقل. فالسفر الدولي توقف تماما تقريبا بين شهري مارس وأبريل 2020 مع إغلاق ثلاثة أخماس الدول لحدودها.
لزم المسافرون ديارَهم بعد أن مُنِعُوا أو لم يعودوا قادرين على السفر. وتدنَّت نسبة القادمين من بلدان أخرى بحوالي 70 % إلى 75% في عام 2020، حسب تقديرات منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، مع انخفاض أعدادهم بحوالي بليون مسافر وتراجع إنفاقهم بحوالي 1.1 تريليون دولار. وهذا يساوي عشرة أضعاف النقص في الإنفاق على السفر عام 2009 بعد الأزمة المالية العالمية.
ويبدو التعافي بعيدا حتى بعد التوصل إلى لقاحات فعالة. وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تكون السياحة من بين «آخر قطاعات الاقتصاد استعادة للطلب المفقود».
لكن الأمور ليست كلها سيئة. فانبعاثات غاز الاحتباس الحراري من الطائرات النفاثة التجارية تراجعت عام 2020 مما قاد إلى احتدام الجدل حول كيفية تقليص هذا التلوث بصفة مستديمة.
كما حصلت المقاصد التي تضررت من ازدحام وتكدس السياح. ويعتقد المتفائلون أن الصلة، في الأجل الطويل، بين تزايد الثروة والرغبة في السفر لن تنفصِم.
من جانبها، ترى مجلة الإيكونومست أن الجائحة، رغم كل تكاليفها المرتفعة في الأجل القصير، قد تعجل بالتحولات التي ستجعل السفر نهاية المطاف أكثر سهولة وأقل ضررا.
ربما تلقَّت صناعة السفر الراهنة ضربة من الجائحة. لكن الصناعة الجديدة التي ستخلفها قد تكون أفضل.