لماذا يهمنا المريخ؟

كريستوفر إي ماسون –

تعد المركبة المتجولة (بيرزيرفيرنس)، التي هبطت على سطح المريخ هذا الشهر، بمثابة قفزة جديدة نحو الإجابة على الأسئلة الأساسية حول نظامنا الشمسي، بما في ذلك الأماكن الأخرى التي قد نجد فيها الحمض النووي.
وسوف تتجول المركبة على سطح المريخ بحثًا عن علامات الحياة، وتصنع الأكسجين الخاص بها، وتطلق طائرة هليكوبتر، وتجمع التربة والصخور من أجل مهمة تتبعية عام 2028. وإذا سارت الأمور كما خُطط لها، ستعيد ناسا، بمساعدة السفينة الفضائية لوكالة الفضاء الأوروبية، عينات التربة في ربيع عام 2032- وستكون تلك العينات أول مادة من كوكب المريخ تزور الأرض.
ولن يكون العثور على الحمض النووي على المريخ مفاجئا بكل ما في الكلمة من معنىً. إذ على الرغم من أن (بيرزيرفيرنس) بنيت في غرفة نظيفة بمرفق تجميع المركبات الفضائية في مختبر الدفع النفثي التابع لناسا، إلا أنه لا يمكن جعل هذا المحيط خاليًا بنسبة 100 ٪ من الخلفية الميكروبية أو الحمض النووي البشري. لقد اكتشفنا «المتجولات الميكروبية» منذ أول رحلة بين الكواكب في الستينات من القرن العشرين، عندما سلط العلماء مثل (كارل ساجان) الضوء على المشكلة. إنه خطر دائم لا مفر منه في مجال علوم الفضاء. ونظرًا لأنه يتعين على العلماء بناء المركبة الفضائية طبقة تلو الأخرى، مما يؤدي إلى تساقط خلايا الجلد وقطرات اللعاب على مدار سنوات من البناء، من شبه المؤكد أن جزءًا صغيرًا من الحمض النووي القادم من كاليفورنيا قد هبط للتو على المريخ.
وعلى هذا النحو، عندما تصل العينات إلى الأرض في عام 2032، سيكون ضروريا أن تمر عبر «مصفاية جينية على المستوى الكوكبي» لاستبعاد أي حمض نووي قد يكون موجودًا في مرفق تجميع المركبات الفضائية أثناء عملية بناء العربة الفضائية من 2015 إلى 2020، وأيضًا أي جزء آخر من الحمض النووي لوحظ على كوكب الأرض من بداية عملية بناء المركبة الفضائية إلى إطلاقها في يوليو 2020.
وهذا مشروع مستمر بين مختبرنا في مؤسسة (ويل كورنيل ميديسين)، ومختبر الدفع النفثي. ومن خلال ترتيب تسلسل الحمض النووي الموجود داخل مرفق تجميع المركبات الفضائية، وفي محيطه، وعلى سطحه أثناء بناء الروبوتات، سنرسم خريطة جينية لتجنب أي تلوث أمامي أو خلفي أو التخفيف منه (تمكننا من إرسال مادة وراثية إلى مكان آخر، أو تُظهر أن مادة وراثية من مكان آخر هبطت هنا). ومنذ أن هبط أول مسبار سوفييتي على سطح المريخ في عام 1971، ثم بعد ذلك، هبوط السفينة الأمريكية (فيكين 1) عام 1976، من المحتمل أن تكون بعض أجزاء الحمض النووي الميكروبي وربما البشري قد انتهى بها المطاف على الكوكب الأحمر.
وبالنظر إلى العواصف الرملية التي يتسم بها الكوكب، فمن شبه المؤكد أن هذا الحمض النووي موجود في أماكن مختلفة عبر السطح. ولحسن الحظ، نحن نعيش في عصر استثنائي من علم الوراثة. إذ تسمح لنا التكلفة المنخفضة للترتيب التسلسلي للحمض النووي ببناء فهرس وراثي دائم التزايد يتعلق بالحياة على الأرض، وخرائط وراثية للغرف النظيفة في مرفق تجميع المركبات الفضائية، وأول خرائط الجينوم على مستوى الكواكب (ميتا إس يو بي)، ومشروع ميكروبات كوكب الأرض.
وفضلا عن ذلك، في رحلة إلى الفضاء انطلقت عام 2016 مع رائدة الفضاء كيت روبينز، أظهرنا أنه يمكننا القيام بترتيب تسلسلي للحمض النووي في الفضاء ومطابقته مع ملفات تعريف لكائنات جديدة على الأرض. وأي شيء يمكنه البقاء على قيد الحياة في الفضاء أو على متن مركبة فضائية أو في الظروف القاسية على الأرض هو مرشح مناسب للحياة التي يمكنها البقاء على سطح المريخ.
وفي النهاية، بدلاً من إرسال الحمض النووي إلى المريخ عن طريق الصدفة، سنفعل ذلك عمدًا لغرض ما. وعلى أي حال، تعد البعثات البشرية إلى المريخ ممكنة من الناحية التكنولوجية. إذ يمكنها أن تبرز أفضل ما في البشرية، ولدينا بالفعل الوسائل الفيزيائية والفارماكولوجية (المتعلقة بالعقاقير) والبيولوجية لمتابعتها.
وفي كتابي الجديد، الخمسمائة عام القادمة: هندسة الحياة للوصول إلى عوالم جديدة، سلطتُ الضوء على الدراسات التي أجريناها على عدد من رواد الفضاء، بما في ذلك التوأم سكوت و(السناتور الأمريكي) مارك كيلي، بعد مهمة قام بها التوأم سكوت في الفضاء واستغرقت عاما واحدا. وبناءً على النتائج التي توصلنا إليها، نحن واثقون الآن من أن البشر يمكنهم السفر إلى المريخ، ومع بعض الابتكارات والتقنيات الإضافية، يمكنهم البقاء هناك.
ويجب أن يكون البشر قادرين على العيش على كوكب المريخ بصورة مستدامة ومسؤولة وآمنة، ليس حتى نتمكن من التخلي عن الأرض، ولكن لأن أفضل طريقة لضمان بقاء جنسنا البشري هو جعل العيش في مكان آخر ممكنًا. والمريخ ليس الخطة (ب): بل الخطة (أ)، كما كان دائمًا.
ولدينا واجب أخلاقي لمنع انقراض جنسنا البشري وكذلك جميع الأنواع الأخرى على الأرض. ولا يمتلك أي نوع آخر (من الأنواع التي نعرفها) مثل هذا الوعي بمستقبلها المحتمل، ولا القدرة على الحفاظ على الحياة. وفقط نحن يمكننا أداء هذه الوظيفة؛ وعلى المدى الطويل، يتطلب القيام بذلك أن نشق طريقنا إلى كواكب أخرى. والاستقرار على كوكب المريخ هو الخطوة الأولى الضرورية على سلم البقاء على المدى الطويل (لأسباب أهمها أن كوكب الزهرة شديد الحرارة). ومع ذلك، لتحقيق هذا الهدف الملح، يجب إعادة ميزانية ناسا إلى مستويات الستينات من القرن الماضي، عندما كانت تبلغ 4.4٪ من الميزانية الفيدرالية (مقارنة بـ0.48٪ اليوم). وسنحتاج أيضًا إلى مزيد من التعاون الدولي (بما في ذلك مع الصين).
وتحقيقًا لهذه الغاية، قمت أنا وزملائي مؤخرًا بنشر سلسلة من الأوراق البحثية، وأطلقنا تعاونًا دوليًا في مجال طب الفضاء يضم ممثلين من وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية، وروسكوسموس (روسيا)، وجاكسا اليابان). وبدأت الإمارات العربية المتحدة ودول أخرى أيضًا في دراسة بيولوجيا الفضاء، وتعمل المزيد من وكالات الفضاء مع منصات تجارية مثل (سبيس إكس) و(بلو أوريجين) إن بعض الواجبات نختارها لأنفسنا. لكن واجب الحفاظ على الحياة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوعي بفنائنا وإمكانية انقراضنا.
إن إشراف البشرية على الحياة هو واجب أناني وفطري وفريد في نفس الوقت. ومن خلال القيام بما يلزم للحفاظ على الحياة كما هي، قد نجد حياة جديدة في الكون.
كريستوفر إي ماسون: عالم الوراثة وعالم الأحياء الحسابي، أستاذ مشارك في طب وايل كورنيل، مع تعيينات في مركز ماير للسرطان، ومركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان، ومشروع مجتمع المعلومات في كلية الحقوق بجامعة ييل، واتحاد علم الوراثة الفضائية بجامعة هارفرد. كلية الطب. سيُنشر كتابه «الخمسمائة عام التالية: الحياة الهندسية للوصول إلى عوالم جديدة» في أبريل 2021.