مرفأ قراءة.. «ليالي ألف ليلة» لؤلؤة محفوظ السحرية !

إيهاب الملاح –

– 1 –
نشر نجيب محفوظ ملحمته العظيمة «الحرافيش» للمرة الأولى سنة 1976 مسلسلة على صفحات مجلة (أكتوبر) الأسبوعية. ثم ظهرت كاملة بين دفتي كتاب عام 1977.
وبعدها بأربعة أعوام تقريبًا؛ وعلى صفحات جريدة (مايو) الناطقة بلسان الحزب الحاكم آنذاك (الحزب الوطني الديمقراطي) الذي كان يرأسه الرئيس السادات بنفسه شخصيا، نشر نجيب محفوظ روايته المذهلة «ليالي ألف ليلة» التي كانت تحمل نقدًا عنيفًا ولاذعًا لرأس السلطة (ممثلة في شهريار) وأجهزته الأمنية الباطشة (الحاكم/ الوالي/ رئيس الشرطة) ولم يكد يلحظ أحد هذا الانتقاد، بدليل أن الرواية مرت بهدوء وسلام بل تعامل معها البعض على أنها فانتازيا خفيفة أراد بها الكاتب الكبير أن يسري على قرائه بعد عمله الكبير «الحرافيش»، وقرئت الرواية بأمان وحب ولم يلتفت أحد إلى مستوياتها العميقة إلا بعد سنواتٍ من نشرها!
الغريب أن الرواية نشرت على صفحات الحزب الحاكم، والأغرب أنها لم تثر اهتمام أحد ممن قرأوها على صفحات الجريدة، وغاية ما في الأمر أن انتبه لها بعد قرابة السنوات الثلاث أو الأربع ناقدتان مصريتان كبيرتان؛ هما المرحومة الدكتورة نبيلة إبراهيم، ونشرت عنها دراسة رائعة من أهم ما كتب عن الرواية في مجلة (فصول) النقدية. والثانية هي الدكتورة فاطمة موسى أستاذة الأدب الإنجليزي والمترجمة القديرة ونشرتها في كتابها عن نجيب محفوظ بعنوان «نجيب محفوظ وتطور الرواية العربية» في تسعينيات القرن الماضي!

  • 2 –
    «ليالي ألف ليلة»، من أجمل وأمتع ما كتب نجيب محفوظ طوال رحلته العامرة السخية، بعين الفن والتاريخ والتراث، يبدع محفوظ أمثولة روائية ترصد ما جرى في نهر الزمن وتأثيره على ما هو كائن؛ وصولا لاستشراف ما سيكون وكيف سيكون، أغنية طويلة بديعة تتحدث عن مشكلة الإنسان، وبحثه الدائب عن العدل والسعادة والخلاص من الظلم.
    يصفها أحد حرافيش محفوظ المعاصرين؛ د.زكي سالم في كتابه «نجيب محفوظ صداقة ممتدة» بقوله: إن «ليالي ألف ليلة» قمة من قمم الإبداع الأدبي على مستوى العالم أجمع، وهو لا يقارن بالعمل الأصلي «ألف ليلة وليلة»؛ لأنه أكثر إحكاما وفنا ورؤية وجمالا وحكمة، ولأنه يستخدم بطريقة رائعة فن الحكي والأسطورة من أجل أغراض فلسفية وصوفية عميقة.
    استلهم محفوظ في روايته الساخرة درّة التراث الشعبي والكنز القصصي الخالد «ألف ليلة وليلة»، وأقام معمار روايته وهيكلها العام على الحكاية الأم في الليالي؛ حكاية شهريار وشهرزاد؛ «شهر زاد» رمز الحكمة والمعرفة، و«شهريار» رمز البطش والتنكيل والدم.
    تبدأ الرواية من حيث انتهت الليالي الأصلية، وخلال ذلك يحشد محفوظ شخصياته العجيبة الساحرة من الوزراء، والأعيان، والولاة، وقادة الشرطة، عدا بسطاء الناس ممن اجتمعوا في «مقهى الأمراء» يُظللهم الجن والعفاريت!
    تقيم «ليالي ألف ليلة» من «مقهى الأمراء» نموذجًا للمجتمع الشعبي البسيط الذي يعج بآلام وأنات ساكنيه ويعج بآمالهم وأشواقهم المخلوطة بعذاباتهم أيضا، ويجعل محفوظ من المقهى أو «حارة الليالي» الصورة المصغرة للعالم الأكبر، نرى فيها الماضي السحيق والحاضر القريب. تقول الكاتبة والمترجمة اليونانية المعنية بأدب محفوظ؛ بيرسا كوموتسي، في كتابها عنه:
    «في أجواء أسطورية رائعة مستخرجة من نواة الشرق الحالم البعيد، فنان الكلمة العظيم يذهب بنا بالقرب من عالم التاريخ القصصي القديم، هذا الكتاب بالتحديد يحمل كنوزا أثرت فيّ وغيرت تمامًا وبدون أي مبالغة فكرتي عن العالم»..

  • 3 –
    استعار نجيب محفوظ في روايته حكايات الليالي العربية، وشكلها الخارجي، وأنطق شخوصه الخيالية بفصاحة الفن، وبلاغة القص، عبر مدخل، واثنتي عشرة حكاية مدهشة، وخاتمة، ليكتب ملحمة التاريخ العربي في نضاله، ويسجل من خلالها رؤيته للواقع والتاريخ العربيين اللذين ينضحان ظلمًا وفسادًا وقتلًا للأبرياء، وسفكًا للدماء، وإهدارًا لكرامة المحكومين، وانتهاكًا لآدميتهم. يلخص نجيب محفوظ ملامح رؤيته الكونية كما تتجسد في «ليالي ألف ليلة»؛ برؤية تتذرع بالأسطورة دون أن تقع في قلبها، وتسترق السمع لما وراء الواقع، دون أن تبرح مكانها، وتطرح مناجاة الماضي أسئلة على المستقبل الموعود..
    تقول الناقدة الراحلة والأكاديمية د.نبيلة إبراهيم، في دراستها «الليالي في الليالي»:
    «لقد أحكم نجيب محفوظ بناء لياليه في إطار بناء ليالي ألف ليلة وليلة من ناحية، كما أحكم بناء روايته في إطار المغزى الذي يريد أن يوصله للقارئ من ناحية أخرى. والمغزى الذي يريد أن يوصله الكاتب إلى القارئ هو مزيج من الواقع والمثال». وهكذا وبطريقة عملية حل نجيب محفوظ التناقض المزعوم بين الأصالة والمعاصرة، وأصبحنا نقرأ بزهو مآسي عالمية ولكن في طبعة عربية.

  • 4 –
    كما ارتفع نجيب محفوظ بالأحداث إلى جانب فلسفي/ وجودي عام. أطلق شهريار «ليالي ألف ليلة» لنجيب محفوظ صيحته المدوية قائلا: «إن الوجود أغمض ما في الوجود!»؛ منطلقا من حيث انتهت الليالي واستقرت في متنها الأكبر.. ها هو شهريار، وقد تحقق بذروة السعادة والخير، متحررًا من شهوة القتل والانتقام، لكنه وحين يتحدث الوزير دندان عن السعادة، تنتفي حكمة البهجة الزائفة، ويدرك شهريار أنه قد بدأ رحلة «الحيرة الموحشة» في متاهة الوجود الغامض!! يقول:
    «إنني أتمرغ في التراب، ولكنني هابط في الأصل من السماء.. لا تحاسبني على التناقض، إني حزمة من المتناقضات.. إنسان إلهي وإنسان دنيوي.. أغنية الفجر.. كشف ضوؤها عن حلم يتجسد ويتوثب لتحطيم جدار القصر، والانطلاق متحديا الجاه والقيود، للتمرغ في تراب الأم الخالدة»!!
    ورغم ذلك كله يرصد غير ناقد كيف جاءت الرواية معاصرة تماما! فالرواية تتحدث عن تسلط الحاكم وعن دسائس المحيطين به‏،‏ وعن الجشع والفساد‏،‏ ولكنها تتحدث أيضًا عن المثل العليا وعن الحب والجمال في خلطة ممتازة ورائعة‏.‏
    يسأله محمد سلماوي:
    ـ قلت‏:‏ لكن روايتك جاءت معاصرة جدًا‏،‏ برغم احتفاظك بأجواء (ألف ليلة وليلة) والكثير من شخصياتها؟
    ـ يجيب محفوظ‏:‏ إن نظري دائما على الواقع في كل أعمالي، مهما تكن الرواية تتحدث عن التاريخ، أو تستلهم التراث‏،‏ فالحاضر هو الذي يحركني حتى وأنا أكتب عن الماضي.

  • 5 –
    لم يأت استلهام نجيب محفوظ لليالي من فراغ؛ فقد قرأها متمعنا عدة مرات، وأشار في مناسبات حوارية عديدة إلى تولد رغبة عارمة في نفسه لكتابة رواية تستلهم أجواء وعوالم الليالي العجيبة.
    يحكي الأستاذ محمد سلماوي في كتابه «حوارات نجيب محفوظ»:
    قلت للأستاذ‏:‏ لم يظهر استلهامك للتراث القصصي العربي مثلما ظهر في روايتك «ليالي ألف ليلة» التي أعدت فيها تكوين قصص ألف ليلة وليلة بشكل جديد تمامًا‏.‏
    ـ قال‏:‏ لقد قرأت «ألف ليلة وليلة» عدة مرات وفتنتني قصصها‏،‏ ولقد أردت أن أصنع منها رواية متكاملة‏.‏
    ـ قلتُ‏:‏ لقد حوّلت (ألف ليلة وليلة) في كتابك ليس فقط إلى الزمن المعاصر‏،‏ لكنك حولتها أيضا لتصبح قصة واقعية‏،‏ برغم كل ما بها من فوارق وخيالات‏،‏ وبرغم أنك لم تحدد لها زمانا ولا مكانا‏،‏ وهكذا أصبحت رواية إنسانية بشكل عام‏..‏ هل ترى أنها أخذت حقها؟
    ـ قال‏:‏ ليس كبقية الروايات‏،‏ وربما كان السبب في ذلك أنها لم تتحول إلى عمل سينمائي‏،‏ لقد طُلبت للتلفزيون لكننا لم نتفق‏،‏ كما أن جهة أجنبية طلبت حجزها لمدة عام حتى تبحث إمكان استغلالها سينمائيا‏.‏
    وأظن أن ليالي محفوظ لم تكتشف بعد ولم تقرأ بعد ولم تنل ما تستحقه على مستوى النقد والتأويل والاستلهام.