نوافذ :نمائم المجتمع

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

أتصور أنه لا نحتاج هنا إلى التعريف بمصطلح النميمة، فهو معروف، ومعايش، ومتداول على نطاق واسع، يبدأ مع الإنسان منذ بواكير عمره الصغير، عندما «يوشوش» الأطفال الصغار على إخوانهم، وأخواتهم عند أحد الأبوين، لنيل شيء من الرضى، أو الامتيازات الأبوية، والتي غالبا ما تكون للجميع، ولكن إصغاء أحد الأبوين لأحد الأبناء أو البنات، يعد ذلك انتصارا على إخوته، ولذلك يستعذب هذه السلوك ظنا منه أن ما يقوم به فعل جيد، ويرى في تلك المكافأة غير «المحتكرة» أصلا تشجيعًا له على الاستمرار في ذات السلوك، وكان يفترض من الأبوين أن لا يعودا هؤلاء الأطفال على مثل هذا السلوك، الذي سوف يرافق هذا الطفل إلى المراحل المتأخرة من عمره الإنساني، إلا من رحم الله.
ولأن المنشأ هكذا يبدأ، يظل سلوك الـ «نمنمة» منتشرا في أوساط المجتمع، وما يرافقه من تداعيات سلوكية أخرى مصاحبة، كالفتن، والكذب، ومغالطة الحقائق، وغيرها من هذه السلوكيات التي تؤدي إلى هدم معززات البناءات الاجتماعية المعززة للبقاء، والتماسك، لمواجهة الكثير من التحديات التي تواجه أفراد المجتمع الواحد في جميع مناخات الحياة التي تشهد تقلبات كثيرة، ومتنوعة، ومتغيرة، ولا سبيل لتجاوزها إلا بوجود التقارب بين الناس، وبتكاتفهم، وبتعاونهم، وإذا وجد «عذر» وهو أقبح من الذنب نفسه، بين الوسط الاجتماعي بحكم العادة، لمسألة النميمة، فما هو العذر أن تختزن المؤسسات القائمة على القوانين والأنظمة في تنظيم العلاقات بين أبنائها مثل هذه السلوكيات، وأن تلقى الآذان الصاغية للقيل والقال، حتى -ومن فرط الممارسة- أصبحت هناك قناعة لدى كثير من العاملين، أن هذا السلوك هو الوحيد المعتمد للترقي، وللمكافأة، ولأخذ الامتيازات، مع وضاعة من يسلكه، ومن يعتمده منهجا للوصول إلى مآربه.
أوجدت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم المساحات التي تتسع لكل من يريد أن يمارس هذا السلوك المشين، وتبقى الرقابة الذاتية هي الوحيدة التي يمكن الاحتكام إليها للحد من هذا السلوك، ومن غيره من السلوكيات المشينة، ومع أهمية الرقابة الذاتية إلا أنه لا يمكن الجزم بقوتها ورصانتها، فستظل خاضعة لمقاييس كثيرة عند هذا الفرد، أو ذاك، خاصة أن استخدام هذه الوسائل من أسهل ما يكون، حيث (الفرد ونفسه) فقط، هما من يحددان هذه الرقابة، ولذلك نعيش اليوم تجاوزات لا حد لها، فيها ما فيها من النمائم، وامتهان الشخصيات، وكسر الاعتبارات الشخصية للناس، وغلاظة القول، وفحش المنطق، وتجاوز الحقائق، والعنف اللفظي، وكأن هناك فرصة؛ غير متاحة دائمة؛ للتشفي، والانتقام، ويكاد من يستمع لمثل هذه الرسائل الصوتية يشك في نفسه أنه يعيش في مجتمع مسلم تسوده السماحة، والرضى، والسلام النفسي، والأخوة والتعاون، والأمان المجتمعي؛ وفي ذات المسار؛ كأنّ ولاة الأمر وحوش، منتهزون، ومتسلطون، وحيتان تأكل بعضها بعضا.
ما يبعث على التساؤل أكثر، كيف انقلبت موازين الأخلاق عند البعض من الناس بهذه الصورة المفاجأة، صحيح أن وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، أتاحت فرصة التنفيس عن كثير من الضوائق الصدرية المختمرة في نفوس الكثيرين، ولكن الأمر تجاوز الحد المعقول والمستوعب، والمقبول من أفراد يعيشون في مجتمع، لا تزال اللحمة الاجتماعية تلعب بورقتها الرابحة في تماسكه وتعاونه، وتآزره، وإذا كانت النظرة تستحضر الضائقة المالية التي يمر بها البعض، فإن مثل هذه الضوائق لم يعشها أفراد المجتمع في مرته الأولى، فهناك الكثير من السنين العجاف التي مرت بأفراد المجتمع، ولم تربك ثقة بعضهم ببعضهم الآخر بهذه الصورة التي تعبر عنها المقاطع الصوتية والمرئية التي تتهاوى علينا من كل حدب وصوب، أيعقل أن تكون حداثة السن عند بعضهم تذهب به إلى هذا المستوى المتواضع من السلوك المرفوض دينا وعرفا؟