جرة قلم :غلاف رواية حرير الغزالة وتزيين مطار مسقط

محمود الرحبي –

قرأت، منذ فترة قريبة في الصحف المحلية، خبرا يفيد بأن إدارة مطار مسقط الدولي تنوي، بالتنسيق مع إدارة المتحف الوطني العماني، جلب بعض مقتنيات المتحف لعرضها في أروقة المطار. الفكرة، في حقيقتها، ليست تجميلية فحسب ولا تدخل فقط في إطار ملء مساحات فارغة وجدران بيضاء بأثاث متنوع، الأمر ستكون له أبعاد أخرى، فوق البعد الجمالي المضمون.
في السياق ذاته، نشر الكاتب هلال الحجري تدوينة (في صفحته على الفيس بوك) حول زيارته لمتحف صغير في إحدى الولايات يبدو انه من ابتكار فتاة. وعبّر الحجري في هذا المنشور عن سعادته، داعيا إلى دعم مشروعات تنبني على مثل هذه الأحلام الصغيرة. وأضيف أمرا ثالثا، وهو اللوحات التشكيلية للفنانين، التي يقبع الكثير منها في ظلمات البيوت، خاصة في ظلّ جائحة كورونا، التي عطّلت السير العادي لمعارض الفن التشكيلي، التي كانت في الأصل شحيحة ومتقطعة ويرتبط تدشينها بالمسابقات والفعاليات الموسمية.
لا أعرف المساحات التي يمكن استغلالها في المطار، لكن ما أعرفه أن كل المحتويات التكوينية للمطارات مُستورَدة وتتشابه، وما يجعلها مختلفة هو إضفاء طابع محلي عليها.. وخير من يمثل هذا الطابع مختلف أشكال الفنون، من لوحات عصرية ولقًى تراثية.
ويمكن حتى الاستفادة من الثروة اللامادية وهي كثيرة يصعب حصرها في مقال (على سبيل المثال لوحة تشكيلية تعبر عن فن البرعة التي اختيرت ضمن التراث الإنساني)، بهذا نستطيع الحديث عن هوية محلية أو هوية عمانية للمطار. وهو أمر يعد داعما معنويا للفنانين العمانيين وللصنّاع الحرفيين ولكلّ من يمكنهم أن يُسهموا في ترصيع بياضات جدران المطار وفراغات أرضياته.
وهذه الفكرة يمكن أن تشمل الأماكن الخدمية الحكومية والخاصة، وبهو الفنادق والمطاعم. وللنمذجة من الجيد الإشارة إلى بادرة قامت بها وزارة التعليم العالي عند تدشين مبناها الجديد، حيث سنجد على المدخل مجموعة من اللوحات التشكيلية كبيرة الحجم، وهناك غيرها (متوسطة وصغيرة) في أروقة الوزارة. هذه اللوحات أعطت حيوية للجدران الخرساء وجمّلت المكان في عين الزائر و المقيم في المكان.
وبالعودة إلى فكرة تزيين مطار مسقط، أكثر ما يلفتني في أي مطار في العالم هو انعكاس ثروته الفنية والثقافية بين أروقته، ونعاين ذلك جليا في مطارات أوروبية، كالمطارات الإيطالية مثلا، وأيضا في المطارات الروسية، التي يشدّ انتباهَ الزائر فيها ذلك الكمّ الهائل من اللوحات والمقتنيات الجميلة التي تترصع بها الجدران والفراغات.
2
منذ أيام، أصدرت جوخة الحارثية روايتها الجديدة «حرير الغزالة»، وانتشر بين الأصدقاء في فضاءات التواصل غلاف الرواية، الذي يحمل هذه المرة لوحة طبيعية (فوتوغرافية): فتاتان تداعبان ما يبدو انه سنبلة قمح صفراء أو زهرة، وخلفهما كثيّب رملي فوقه سماء زرقاء شاسعة. الفتاتان الصغيرتان تبتسمان، وعيونهما على السّنبلة أو الزهرة.. إن نظرة متأملة للصورة تظهر لنا غلافا تكتنفه مجموعة من الدلالات، ((وليس بعيدا عنها)) الطفولة والخصب والأمل والترقب والسعادة والحرية.
قد يبدو الغلاف ابتكارا بين ما عهدناه من أغلفة الروايات، وذلك لكون الرواية عالما متخيلا والغلاف إحدى العتبات العاكسة لمحتواها.
هناك رواية عالمية للكاتب اللاتيني ماريو بارغاس يوسا بعنوان «قصة مايتا» غلافها كذلك صورة فوتوغرافية لرجلين. تحكي الرواية قصة مناضل بيروفي عبر شخصية صحفية هو الكاتب نفسه. ونكتشف ذلك في حيثيات الرواية، ثم في نهايتها. لا يريد يوسا، بدءا من الغلاف، أن يبتعد كثيرا عن واقع الشخصية. يريد أن يقول لنا، بطريقة من الطرق، إنه بإزاء شخصية حقيقية، وما تدخلات الخيال إلا من أجل منح أبعاد واقعية لهذه الشخصية. الم يقل غابرييل غارسيا ماركيز يوما إن الواقع العجيب في أمريكا اللاتينية يحتاج إلى خيال كي نصدقه!.. وذلك لشدة غرابته.
وبالعودة إلى رواية جوخة الحارثية الجديدة فلا بد أن الكثيرين ينتظرون وصولها إلى المكتبات، وكاتب هذه السطور واحد من هؤلاء، لأنها الرواية الأولى بعد «سيدات القمر»، التي أوصلت العرب إلى جائزة «البوكر» العالمية وترجمت إلى مختلف لغات العالم، بل إنها في بعض الدول ترجمت أكثر من مرة (على سبيل المثال تُرجمت إلى اللغة الفارسية وحدها أربع مرات)..وفي انتظار «حرير الغزالة».