نوافذ :رقصة الوقت

بشرى خلفان –

«لا أريد للقبر أن يأخذ مني أكثر من حفنة عظام».
منذ عامين أو أكثر بقليل، قرأت هذه العبارة التي وردت في مقدمة كتاب «تقرير إلى جريكو» لنيكولاس كزنتزاكيس، الأديب والمفكر اليوناني المعروف.
كانت عبارة صادمة، لكنها نبهتني إلى الأشياء التي ادخرتها في أعماقي طويلا، كل الرغبات والأحلام، كل الأفكار والأسئلة، وربما كل طموحاتي التي ما سعيت لتحقيقها، مؤجلة كل شيء إلى زمن آخر، ربما زمن أكون فيه أكثر تفرغا.
لكن هل لنا أن نفعل ذلك حقا؟ أن نذهب إلى مثوانًا الأخير فارغين تمامًا؟ بعد أن نقول كل ما لدينا، ونكتب كل ما أردنا كتابته، وبعد أن نجرب كل الأدوار ونختبر أنفسنا فيها؟
هل لنا أن نخرج كل أفكارنا إلى العلن ونسعى لتطبيقها مع ما قد تواجهه من تحديات؟ أو أن نسعى لاكتساب كل اللغات والمهارات التي حلمنا دومًا بامتلاكها؟
هل لنا أن ننجز في عمرنا القصير، زمن وجودنا على هذه الأرض، كل المشروعات التي طمحنا إليها، وكل الأحلام التي شاغلتنا؟
هل لنا أن نذهب إلى القبر كحفنة عظام فقط، وقد منحنا هذا الوجود كل ما لدينا، كل ما أودعه الله في كينونتنا من قدرات ومواهب خفية، وكل ما جعله فينا من طاقات، وحب وتعاطف؟
يذهب بنا الكسل دائمًا، لاستخدام الوقت كحجة لتبرير تسويفنا، لكن كورونا حدث، وجرى اختبار عامل الوقت، فمنحنا الوقت بسخاء شديد، فهل أنجزنا فيه ما أردناه بشدة وأجلناه طويلا؟
نعم أعطينا الكثير من الوقت الذي لم نعرف ربما كيف نتعامل مع وفرته وامتداده؛ لأننا في أعماقنا نعرف أنه رغم ذلك كان وقتًا قصيرًا جدًا.
نعم، ربما كان وقتًا طويلًا من حيث الوفرة، لكنه في النهاية قصير من حيث الديمومة، فهذا الوقت الذي يبدو وافرًا لا يعرف أحد متى سينتهي، تماما مثل عمر الإنسان، تشعر بوفرته وأنت تعيشه، ولا تراه ينقضي، ثم تعود محاولا استرجاعه بآهة طويلة، متسائلًا كيف فلت العمر من بين يديك دون أن تشعر به، كيف كبر الأولاد وكيف وصلت لسن التقاعد، وكيف صارت عيناك بحاجة لعملية المياه البيضاء.
تعيش وفرة الوقت، بينما يربض زوالك في لا وعيك، هذا الزوال الذي نقاومه بالحب والموسيقى والإحسان والضحك والكتابة.
العمر، وقت وافر، وممتد لكنه غير مضمون، وهذا ما شغل به الإنسان دائمًا، وجوده وفناؤه في اللحظة عينها، وهذا بالذات ما لا يجب أن ينسينا العمل على لحظتنا الراهنة هنا.
فالإنسان بحاجة لما يوقف شعوره باللاجدوى، بحتمية الفناء، بعبثية الأسئلة، حول الموت والحياة.
نعم، الوقت هو فكرة المخاتلة، رقصة فالس طويلة أو مبارزة رشيقة بالسيف، الذي إن لم تقطعه قطعك، لذا نجد أنفسنا في زمن الجائحة هذا، نحاول أن نكتسب مهارات جديدة، وأن نعمل على مشروعاتنا، فالمحزن ليس الموت، فهو طبيعي جدًا، المحزن أن نذهب ثقالًا، لم نتخفف من الحياة، من مشروعاتنا، وكتابتنا، وأفكارنا التي كان من الممكن أن تحدث فرقا.
أن نذهب دون أن نعطي حبا كافيا لأولادنا، لم نمد ما يكفي من الأيدي والابتسامات والكلام الطيب للغرباء، لم نشجع أصدقاءنا، لم ندعم المشروعات الناجحة.
أن نذهب محملين بكميات هائلة من اليأس والحقد والأحزان والخيبات، أن نذهب ونحن لم نترك ذلك الأثر الطيب في النفوس سواء بالأعمال أو الأقوال، أن نذهب دون أن نتعلم رقصة الوقت، كيف نعيش كل لحظة فيه بحضور كامل.
عودة إلى كازنتزاكس، الذي كان يريد في آخر أيامه، أن يقف عند ناصية ما، ليتوسل ربع ساعة من كل شخص يمر به، ربع ساعة فقط، ليكمل كتاب مذكراته الذي بدأه قبل أن يداهمه المرض بضراوة، وينصحه الطبيب بالراحة، وربما الاستسلام أخيرًا، كان يريد زحزحة الموعد قليلا، تأجيل الموت قليلا، قليلا فقط؛ لأنه ما زال لديه الكثير لينجزه، وربما حتى يذهب خاليًا تمامًا، من كل شيء.