عن النقد والفقد .. ودور الصحافة الثقافية

محمد بن سيف الرحبي –

بسيط، حدّ سهولة الضغط على لوحة المفاتيح، التساؤل عن النقد، أو أي شيء آخر في هذا الكون. والصعب، حدّ التعقيد في تبيّن الخيط الأبيض من أي لون آخر، الإجابة عن ما يمكن وصفه باللامرئي، خاصة حينما يتفرّق دم إجاباته بين أقلام الكتّاب، الجالسين على ناصية الإبداع الأدبي، أو المتابعين، نقّادا أو قرّاء.
والحديث عن نقد «مفقود»، أو ناقد «غير موجود»، وكلاهما يحتاج إلى بقع ضوء قوية لإيجادهما على الساحة بقوة، متفرّع وغارق في مداخل ومخارج على درجة عالية من الحساسية، أو التوهّم، فلا يكفي أن يصدر من يصنّف على أنه ناقد كتابًا لا يقرأه حتى المختصّين، أو الذين كتب عنهم مؤلفه، أو يقرأ منه ربع ساعة في جلسة نقدية، ويفتح باب الحضور (لمن حضر) بانتظار مداخلات حول دراسة بحثية من خمسين صفحة (ربما) لا يعرفون منها شيئًا، فالوقت المخصص للناقد مرّ سريعًا وهو يحاول أن يقول الكثير في وقت قليل!
يوجد لدينا في السلطنة مشتغلون بالنقد، ولديهم الإمكانيات لدراسة الحالة الإبداعية، ويمكنهم أن يتعمّقوا أكثر بعيدًا عن المناسباتية والدعوات، لكن أين المسالك التي يعبرون فيها للوصول إلى الغايات الأهم، غير تلك الندوات التي تفتقد الوهج الجماهيري حتى من المختصّين، أو من الراغبين في قراءة عميقة خارج أسراب منصّات التواصل الاجتماعي وما تستهلكه من وقت، وجهد ذهني، ومزاج فكري؟!
وهل يمكنهم قول ما ينبغي عليهم قوله ليطمأنوا بأنهم يؤدون رسالتهم المهنية، بعيدًا عن التحزّبات، وأن هذا من (شلّتي) وهذا (مما لا يستهويني شخصيًا)؟!
ربما ارتفاع منسوب الحساسية في الأجيال الجديدة يدفع بالنقّاد، أو السائرين على دربهم، إلى الصمت في كثير من الأحيان، فيعمدون في الغالب إلى قراءات انطباعية، معتمدة على «السيميائيات» والدلالات التي يحيل إليها النص، أي رؤية تحليلية للنص، وبينها من يقع في محاولة إفهام القارئ ما ينطوي عليه هذا النص من أفكار، يتوقع مسبقًا أنها تشكل على البعض.
اجتهدت خلال العقود الماضية في الكتابة عن «إصدارات سردية» ونشر بعضها في مجلات مثل العربي الكويتية، لكنني أشعر بحرج حينما يكتب تحت باب «نقد»، لشعوري بثمة نواقص كثيرة ليصل (المقال) إلى مستوى (دراسة نقدية) حيث إن الاختيار منذ البداية قائم على قراءة عمل سردي لتوضيح مجموعة أفكار تخصّني حوله، فما درسته حول مناهج النقد لا يكفي للاضطلاع بدور يتطلب عمقًا وتجرّدًا.
أشير إلى هذه النقطة للوصول إلى محور المقال، وهو دور الصحافة الثقافية في منح «النقد» دربًا ليصل إلى قرائه، والقيام بدوره في التعريف بالحالة الإبداعية على الأقل، سواء أكان انطباعيًا أو تحليليًا عميقًا، أي منح الفرصة لظهور أقلام نقدية مستمرة في العطاء، لا تنتظر ندوة للتحدث ربع ساعة، مع إشارات مدير الجلسة أن الوقت المباح للحديث نفد من ساعة القاعة.
لتمهّد الصفحات الثقافية بياضاتها لهكذا ممارسة كتابية تبتغي شكلًا آخر من الإبداع غير الشعر والقصة وغيرها من أشكال أدبية أخرى، حتمًا سيكبر العود ويزهر مع مرور السنوات، وستخرج أسماء قادرة من مكامنها، وسيتعرف عليها الناس في الداخل والخارج، ليكن المشروع النقدي في السلطنة ضمن اهتمامات المحررين فيها، فيساعدون على إذابة جليد التقوقع بعيدًا عن النشر، بالنسبة للنقاد كما هو شأن الكتّاب فنرى نصوصًا في الشعر والقصة في الصفحة الثقافية، فليس النقد مفقودًا فقط، بل حتى تلك الاستراحات الإبداعية التي كنّا نأنس بها، خاصة مع توقّف الملاحق الثقافية في صحف بلادنا!.