ماذا تعني عبارة هشاشة الديمقراطية؟

عبدالله العليان –

الديمقراطية في الغرب الليبرالي ، حققت نجاحات كبيرة في الممارسة السياسية الصحيحة والنزيهة ، وأسهمت في الاستقرار السياسي ، وما أحدثته النظم السياسية المنبثقة من هذه الوسيلة، من الحريات العامة، والعددية السياسية، وحرية الصحافة، والبعد عن الاستبداد والقمع، واستقلال القضاء، بغض النظر عن مساوئ المال السياسي، الذي يعتبر الوجه القبيح للديمقراطيات الحديثة.

بعد انتهاء نتائج الانتخابات في الولايات الأمريكية رسمياً، وتنصيب الرئيس الديمقراطي الفائز «جو بايدن» تحرك الديمقراطيون وسعوا بجدية لاتخاذ إجراءات لمحاكمة الرئيس الخاسر في الانتخابات « دونالد ترامب» بسبب ما اتهم به بأنه وراء الحشد الكبير لبعض أنصاره، ربما لإجهاض أو إلغاء إعلان التصويت النهائي ، أو عدم إظهار نتائجها الأخيرة بعد التدقيق والمراجعة بعدما أشيع من قبل الرئيس السابق، ومن بعض مؤيده، أن هناك تلاعبات في سير الانتخابات، لكن الجمهوريون ربما لأسباب سياسية أو حسابات حزبية أخرى ، قد تؤثر على حركة الحزب في الانتخابات المقبلة ـ الرئاسية أو البرلمانية ـ قد أسهمت في تراجع قوة تأثرهم الانتخابي نتيجة إجراءات المحاكمة لو تمت، ولذلك صوتوا ضدها وعدم السير فيها ربما لهذه الأسباب ، فلم يصّوت أغلبهم ضد هذه الإجراءات التي تم الحشد السياسي والقانوني ، ولذلك تم وقفها من مجلس الشيوخ ويبدو أنها توقفت تماماً عند هذه المرحلة، وخرج «دونالد ترامب» من ورطة المحاكمة التي لا شك أنها ستوثر على مستقبله الشخصي وعلى الحزب الجمهوري نفسه ! وهذه ليست بعيدة عن الديمقراطية الليبرالية التي تقدم المصلحة الخاصة أو المنفعة، وفق الفلسفة (البرجماتية)، وعلى الكثير من الحسابات الأخرى السياسية أو الاقتصادية، قد لا تتقارب مع أسس واضحة ومقاييس تتصل بالدستور وبالسوابق القضائية في الولايات المتحدة التي لا تنسجم ومعايير واضحة عندما تتحقق أسسها القانونية.
وقد استفزت مسألة عدم التصويت على إجراءات المحاكمة ، الرئيس جو بايدن، ورأى أن الحزب الجمهوري في غالبيته، وقف ضد إجراءاتها ، مع كل المؤشرات أن الرئيس السابق ترامب ـ حسب التوقعات ومن خلال تغريداته العديدة ـ أنه وراء تشجيع أنصاره للتحرك ، لوقف نتائج إعلان الانتخابات، أو تأجليها على الأقل ، فجاء تصريح الرئيس بايدن غاضباً على هذا الموقف من الجمهوريين ، عند التصويت حيث وصف فيه عدم الإدانة من قبل مجلس الشيوخ للرئيس السابق «دونالد ترامب» ، بتهمة حشد أنصاره للهجوم على الكونجرس بأنه «فصل محزن من تاريخ الولايات المتحدة، يذكّر بأن الديمقراطية هشة، وأنه يجب دائما الدفاع عنها». وهذا التصريح أثار العديد من الكتابات والنقاشات حول مقولة «هشاشة الديمقراطية»وقد وصف البعض بأن هناك أزمة حقيقية واقعة في الفكر السياسي الأمريكي ، وليست حادثة هامشية في مسألة الهجوم على مؤسسة تمثل رمزاً سياسياً كبيراً، مثل الكونجرس ، ويبدو كما يراها بعض المهتمين، أنها مشكلة بنيوية عميقة في النظام الأمريكي، وقد لا تكون بارزة بشكل قوي ونافذ مع نخب مؤثرة ، لكنها بدأت تظهر على السطح السياسي الأمريكي، ويرى الكاتب حسن منيمنة، أن الولايات المتحدة :»اليوم أكثر انقساماً، اجتماعياً وثقافياً، مما كانت عليه خلال حرب فيتنام، وفي وضع أكثر حرجاً سياسياً مما شهدته في أزمة ووترغايت في السبعينات، وفي حقبة ماكارثي في الخمسينات. داخل الأزمات وخارجها، الانقسام في الرؤى والقراءات والسياسات ليس جديداً على الولايات المتحدة. ولكن حدته وخطورته ووتيرته قد ارتفعت في العقود الأخيرة مع تبدد الثقة بين المواطن ودولته، وبين المواطن والآخر، بدائرة مفرغة غذّت الفرقة وتغذّت منها».
وهذه بلا شك تحتاج إلى استقراءات وتحليلات تبرز متى دقة هذه التوقعات خاصة في دولة مهمة وكبيرة في المعسكر الليبرالي الديمقراطي ،ولذلك ليست أثرها ليس عادياً، بالقياس لدول صغيرة غير مؤثرة في العالم مثل الولايات المتحدة ، كما أنها بلد متعدد الأعراق والديانات والثقافات، كما أنها دولة تعاقدية تضم ما يقرب من خمسين دولة اتحادية، وقد اتسم تاريخها بالحروب بين شمال أمريكا وجنوبها، لكن الديمقراطية التعاقدية، وفق نظام الولايات الاتحادية نجح في التماسك والتوحد دون ارتباكات سياسية أكثر من قرنين أو يزيد ، ومن خلال مبدأ الفصل بين السلطات، خفّف من الكثير من أزمات الخلاف بين هذه السلطات ، وعزز قوة هذا الاتحاد ومتانته، وأسباب هذا التماسك تعود إلي قوة هذه الدولة في مواردها الاقتصادية الكبيرة والحياة المعيشية الجيدة للفرد الأمريكي ، لكن بالرغم من تعدد السلطات و مبدأ الفصل بينها، يبقى أن النظام الرئاسي الأمريكي قوياً ومسيطراً بحكم الصلاحيات الكبيرة الممنوحة للرئيس التي لا توجد في العيد من النظم الديمقراطية الأخرى.
لكن البعض يعتقد أن هذه الأزمة التي حدثت أو ربما قد تحدث، لا تتعلق برفض وسيلة الديمقراطية ونتائجها، فقد لاقت قبولاً كبيراً في الولايات المتحدة منذ ما يزيد عن قرنين كما أشرنا آنفاً، لكن الأمر الذي أسهم سلبياً في الديمقراطية في القرن العشرين على وجه التحديد، أن المال السياسي يلعب دوراً مؤثراً في نتائج الانتخابات ، سواء في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، كما ساهم الإعلام بالدفع إلى خيارات هذا المال من حيث الدعاية الإعلانية لمرشحين بعينهم من كلا الحزبين الكبيرين، وهذا ما يراه البعض أنه ما تم من أحدث في الكونجرس ربما له أثره وتأثيره من قبل المال السياسي والإعلام الموجه للنخب المؤثرة، كما أن مسألة التوافق على الديمقراطية وقبولها كمخرج للتوتر السياسي في دولة اتحادية عمل مهم وله إبعاده على الاستقرار على قوة هذا الاتحاد ، كما أن البعض ربما لا يهتم بفكرة الديمقراطية من أجل الديمقراطية ذاتها كفلسفة ونظرية للعمل السياسي ، بل إن البعض يرى أن هناك دوافع أخرى لقبولها والالتزام بها، وليس لكونها تتسم بالمثالية السياسية أو بالانفتاح لكافة القوى للمشاركة من خلال التنظيم السياسي الحر، بالقياس إلى النظم الاستبدادية أو الشمولية ـ التي لا تولي اهتماماً للتعددية الحزبية والحرية في التعبير . فبعض من وافق على الدخول والمشاركة في الاقتراع والتصويت من أجل هذا أو ذاك من المرشحين ، ليس من ذاتية هذه الديمقراطية كفلسفة إيجابية لتعددية، وإنما الهدف منها وسيلة لمصلحة ذاتية ، سواء في الاقتراب من مؤسسات الحكم ، أو ربما المشاركة في العمل السياسي ، أو إضعاف الخصوم الآخرين خلال الانتخابات، أو لمصالح ومنافع أخرى.
والحقيقة أن الديمقراطية في الغرب الليبرالي ، حققت نجاحات كبيرة في الممارسة السياسية الصحيحة والنزيهة ، وأسهمت في الاستقرار السياسي ، وما أحدثته النظم السياسية المنبثقة من هذه الوسيلة، من الحريات العامة، والعددية السياسية، وحرية الصحافة، والبعد عن الاستبداد والقمع، واستقلال القضاء، بغض النظر عن مساوئ المال السياسي، الذي يعتبر الوجه القبيح للديمقراطيات الحديثة، كما هناك الفارق الهائل بين بعض الأقوال عن الديمقراطية، والممارسات التي تجري خارج الدول المسمى بنشر الديمقراطية في الدول غير الديمقراطية، أو كما سماها الأكاديمي الفلسطيني د/عزمي بشارة بـ «ديمقراطية البوارج الحربية» والمقصد من هذه العبارة، هو ما جاء من تصريحات من الرئيس الأمريكي الأسبق «جورج بوش الابن، من أن احتلال العراق عام 2003، هو إرساء من أجل إرساء ديمقراطية تكون نموذجاً يحتذى لكل دول المنطقة، وتحل هذه الواحة الديمقراطية في هذا البلد الذي كان شمولياً حسب ما قاله، لكن هذا القول من الرئيس الأمريكي الأسبق آنذاك، كان مجرد تغطية لهذا الاحتلال الغاشم الذي جر على هذه البلد العربي المهم، وكانت نتائج هذا الاحتلال هي الأزمات والصراعات والتوترات السياسية والمذهبية منذ الاحتلال وحتى الآن،فلا يمكن أن يقاس مما كان عليه الأمر سابقاً قبل الاحتلال وبعده، عند المقارنة مع النظام السابق، لكن المنطق يرى أن النظم السياسية لا تفرض من خارجها بالقوة أو الضغط السياسي، بل إنها خيارا شعبي داخلي يتم التوافق عليه ، وهذا ما تم، فلم تنجز ديمقراطية البوارج العسكرية، ولم يتحقق الاستقرار لهذا البلد، وأسبابها واضحة لكل متابع.
وكما قلت آنفاً إن الديمقراطية وسيلة نجت من الكثير من الأزمات والإشكالات ، بسبب الخيارات الحرة لنتائجها المتفق عليها من خلال القوانين والدساتير التي تسير طريقة أدائها، لكن الأغرب أن بعض الباحثين الغربيين لديهم تشاؤم من مستقبل الديمقراطية الليبرالية، ويطرح التقرير السنوي لهيئة « فريدم هاوس» الأمريكية لعام 2017:»إلى أن مستقبل الديمقراطية في العالم «مظلم»، وأن خصوم الديمقراطية يتقدمون باطراد لإقامة النظم السلطوية، مما يجعل الدول الديمقراطية تواجه أكبر تحدي لها منذ نهاية الحرب الباردة». وبغض النظر عن دقة هذا التقرير من عدمه، تظل هناك مؤشرات وتغيرات فكرية وثقافية في جيل الشباب الغربي، إلى جانب أعباء الحياة الجديدة وتغيراتها الاقتصادية ، وهذا ربما يشكل خطراً حقيقيا على الديمقراطية الحديثة وأسسها الليبرالية، وهو ما يعزز ما جرى من تحرك من جيل الشباب للدخول للكونجرس كرفض للنتيجة التي أصبحت ثابتة للديمقراطيين.