في سرديات الأيديولوجيا العربية!

محمد جميل أحمد –

بين وعينا لمفهومين يبدوان متناقضين في ظاهرهما؛ تقع مشكلات مفاهيمية كثيرة حيال فهمهما في المنطقة العربية. فلسنوات طويلة. ظل وعينا للدين ووعينا للوطن يشتبكان عبر استيهامات أيديولوجية عديدة، فيما لم يتم فض الاشتباك بينهما معرفياً حتى اليوم عبر آليات فهم موضوعي، فأصبحا باستمرار مصدر إعاقة للوعي العام.
وفيما تنشط حركات تستثمر في ذلك الجدل المطرد عبر خانة الأيديولوجيا، تتعطل الكثير من القدرات التي يعيقها ذلك الجدل عن رؤية حقائق الأشياء.
وفي تقديرنا؛ إن خطاب الهوية الذي تجد فيه الأيديولوجيا ملاذا مريحا يعزز قدرتها الجوهرية على رفد النقاش العقيم بالكثير من المغالطات المنشئة لتناقضات موهومة بين الدين والوطن عند الفرقاء السياسيين؛ ذلك الخطاب الهوياتي هو بذاته اليوم ما يعتبر خطابا إشكاليا حين يفترض مقابلات بين هويتين يمكن التصالح بينهما من حيث الإمكان المعرفي والعقلاني، لكن تصورات ذلك الخطاب وتهيؤاته المضللة التي تنشأ في الأيديولوجيا هي التي تربك عقليات كثيرة بتوترات لا داعي لها حين تتقابل التناقضات في تصوراتها المأزومة فتعيش اغترابا متوهما.
ثمة علاقة عضوية بين التخلف وبين تجدد خطابات الهويات المتمانعة واستعارها باستمرار، سواءً بين خطاب اليمين في مقابل خطاب اليسار من ناحية، أو بين بعض تمثيلات خطاب اليمين الديني من ناحية ثانية.
وإذا كان التخلف في بعض تعريفاته العمومية إنه: العجز عن الحكم الموضوعي على الأشياء؛ فإن هذه القدرة النشطة في خاصية التخلف تظل باستمرار هي مصدر الإعادة الدائمة لنقاشات يستمر فيها الجدل لأجيال عديدة دون أن يتم حسمها! وهكذا، سنجد أنه في ظل خطاب هوية إسلامية جوهرية يمكن للنقاش حول مفهومي الإسلام والعلمانية أن يستمر لأجيال عديدة، إذ إن نقاشا من طينة: (جدل العلمانية والإسلام) لا يزال ينشط في العديد من منابر الرأي العام العربية منذ ثمانينيات القرن الماضي ويعاد إنتاجه حتى الآن دون أي أفق معرفي يؤهل المتحاورين إلى حل مرضٍ؟ في مثل هذه النقاشات العقيمة والمستمرة، يمكننا أن نحدد فضاءً واضحاً لتجليات التخلف دون عناء، كما سنجد في الوقت ذاته، أن ثمة خطأ كبيراً في المصدر الذي هو سبب لمثل هذه المشكلات، ونقصد بذلك أزمة النظام التعليمي العربي.
وإذا كان متصورا أنه في ظل بعض الدول العربية، ولا سيما منذ الستينيات، أن ثمة احترازات مُوَسْوِسَة من الحرية المطلوبة في النظام التعليمي برزت آنذاك كي لا تؤدي تلك الحرية في النهاية إلى حلول نظرية للمشكلات الفكرية والمعرفية، فإن الأسوأ من ذلك؛ هو أن تطاول تلك الاحترازات المُوَسْوِسَة لعقود أدى إلى مأزق هوية بنيوية في النظام التعليمي العربي بحيث أصبح ذلك النظام مستمرا في تكريس وإنتاج الإعاقات النظرية لقضايا الفكر والمعرفة بما شكل انسدادات حقيقية في مختلف قضايا النقاش العمومي وبالخصوص القضايا الفكرية والفلسفية.
واليوم، فيما تتيح وسائل التواصل الاجتماعي إمكانات نظرية موحدة لكل فرد في أن يكون صاحب رأي، ستبدو تلك الجدالات العقيمة والمرَّحلة من مآزق المناهج التعليمية العربية هي الأعلى صوتاً في الأصوات والأصداء التي لا تكف عن تدويرها وإعادة تدويرها تلك الوسائط الرقمية المعولمة! وإذا كانت المؤسسية التي تنتظم الفضاء العام في دول العالم الأول؛ من حيث الأنظمة التعليمية المتطورة، والتخصصات الدقيقة، وحقوق الملكية، وفعالية القانون العام، هي التي تمنع من تلك الفوضى التي نجدها في ردود وأصداء معارك وسائل التواصل الاجتماعي العربية، لاسيما في قضايا الهوية والأيديولوجيا؛ فإن جزءاً جوهرياً من تلك الإعاقة اليوم يتصل في حقيقته بذلك الخلل الكبير في النظام التعليمي العربي.
هكذا، حين نرى اليوم، كيف أصبح العالم متشابكاً وسريعاً في نمط تواصله، سنرى أيضاً كم هو حجم التأخر الذي أصبحت بسببه المنطقة العربية أكثر بعداً من قلب ذلك العالم المعاصر! إن القدرة على رؤية حقائق الأشياء أصبحت اليوم أكثر قرباً من أي وقت مضى، إذ إن أي مقارنة بين العالم المفتوح والتجدد الذي نراه في ذلك العالم عبر وسائط التكنولوجيا الرقمية من ناحية، وبين واقع الحياة في المنطقة العربية من ناحية أخرى، ربما يدلنا بطريقة واضحة إلى كيفية الإجابة على ذلك السؤال الذي يتجدد باستمرار : لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم؛ السؤال الذي لا نزال نبحث عن إجابته!