لماذا لم يزرع شجرة؟

أمل السعيدية –

بعد أن قرأت تقرير مجلة أمريكية عن مستوى الديمقراطية في العالم، وأن سبعة وخمسين دولة تصنف بأنها دول دكتاتورية، رفعتُ رأسي لأحدق في المساحة الشاسعة لهذا المقهى الدافئ في مسقط، حيث نحققُ ديمقراطية خاصة، نشارك فيها جميعًا، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، كما لو أننا جوقة ضجيج حلو، يسلي العالم عن مثالبه. أكملتُ قراءة «لماذا لا تزرع شجرة» للشاعر والمترجم المصري أحمد شافعي. والذي عادةً ما تفردُ له جريدة عمان مساحة لترجمة مواد أدبية وثقافية عادةً ما تكون بجانب العمود الذي أكتب فيه. بجوار شافعي دعوني أقول إنني أحببتُ هذه النوفيلا القصيرة، التي تصور حياة فرد من الطبقة المتوسطة، مطحون بين الآلهة، آلهة كبيرة، وحتى تلك التي تدنو منه لديها ألوهيتها الخاصة، أما هو فمثل المتشردين الذي يخرجون من ستاربكس. كأنه لم يكن شيئًا قط، غير ذلك الذي ينبغي أن يركض طوال الوقت، وفي جيبه مفاتيح أبواب تحكمُ قبضتها عليه.
عندما يصبح هذا الإنسان أمام اختبار، يسائل عدم ألوهيته، يفكر في إجابات كثيرة، ربما هي العائلة التي نشأ فيها، هي من أورثته اهتماماته وسلوكه، أو أن الشقة التي يسكن فيها، وهي تابعة لأحد أجهزة القوات المسلحة، مثلما هي بقية الحدائق في المنطقة، وعلى الرغم من أن اسمها «الحديقة» يوحي بشيء مبهج، إلا أنها في عالمه الذي يتداعى فيه، يمنع عليه دخولها، حتى يصادف مرة أحدا زرع نعناعًا وريحانًا وجهنميتين لتثيره فكرة أن أحدًا يستطيع أن يتجاوز السلطة وضوابطها الصارمة، لكنه سرعان ما يكتشف أن المتمردين أيضًا هم آلهة صغار، وهو وحده الذي يقطع الرصيف راغبًا في التحرر من حياته، ولكنه يعود في كل مرة.
إنها السردية نفسها، بيوت مكتنزة بأولادها، رفوف مكتبة عليها كتب تفسير القرآن، التي لم يتنازل عنها لأن زوجته ترتاح للأمر، الزوجة نفسها التي تعرف عليها عندما ترجمت فوكو لكنها تخلت عن الأمر بعد ذلك بقليل. وأصبح يغور من وجهها في الأيام العادية.
عندما يكتب شاعرٌ تحبه رواية، تخاف عليه، فهنالك قدر من التقشف، أو البساطة السردية التي لا تتوفر عليها القصيدة، التي تأتي كثيفة ومختِرقة، كنتُ أحببتُ الشافعي شاعرًا في مجموعته « ٧٧» لكن سرعان ما تأتلف معه روائيًا، وساردًا تلهث وراء كلماته، ليثبت أن الشعر هو رؤية للعالم أكثر منها إيقاعا، لكن الإيقاع الشعري يظهر في الجزء الثاني من الرواية، في آخر العمل، إذ يتداعى كامل موظف الحكومة في مونولج غاضب، في جمل تشبه المانشيت العريض من قبيل «الشجرة أيضًا بيتها الشارع» «لا الشمس تجرؤ أن تسبق القمر ولا الليل أن يسبق النهار».
بردت قهوتي وأنا أقرأ، وبعد القراءة انشغلت بكتابة هذه المقالة، تظللني غيمة سوداء حزينة وثقيلة، هي الحقيقة التي وجدت طريقها إليّ، رغم المسافات، وهآنذا أستعد أن أخرج من هذا المقهى كمتشردة أيضًا.