المؤسسات الوقفية.. حراك اقتصادي لا ينضب

الأيهم الغساني –

يرجع تاريخ الوقف في عمان لما يربو على اثني عشر قرنا ميلاديًا وتحديدًا إلى وقف الإمام الوارث بن كعب الخروصي -رحمه الله- في عام 192هـ/ 807م والمخصص لطلاب العلم والمعرفة الطامحين لنهل شتى علوم الدين واللغة، ومنذ ذلك الحين تعاقبت الأعمال الوقفية العمانية وانتشرت رقعتها في الداخل والخارج مع حركة التجارة ونشر الدعوة الدينية التي صاحبت انفتاح الإنسان العماني على التجارة الخارجية وتبادل السلع في إطار القوافل التجارية مع الثقافات الأخرى بآسيا وأفريقيا. هذا التمازج الثقافي والحضاري في صورته المدنية ساهم في اتساع نطاق جملة من الفضائل والمثل الإسلامية العليا التي تأخذ في طابعها توفير الرعاية والاهتمام لمكونات المجتمع المعوزة التي تعجز عن توفير جميع مقومات الحياة الأساسية.
لعبت أموال الوقف ومؤسساتها -كبيت مال المسلمين وغيرها من أشكال التنظيم المؤسسي في جميع أطوار تقدم الحضارة الإسلامية بدءًا من الخلافة الراشدة مرورًا بالأمويين والعباسيين والمماليك وانتهاء بالدولة العثمانية والدولة الإسلامية المدنية في شكلها الحديث- لعبت أدوارًا أساسيةً وعالية التأثير في تجسيد دولة الرفاه المجتمعي والتكافل الشعبي بين مختلف شرائح المجتمع وأطيافه كالتجار والإقطاعيين وأهل العلم والدين. كما أنه من أسس الشمول الوقفي توظيف العوائد المالية والعينية في سبيل دعم مالية الدولة الإسلامية والمساهمة في القيام بمسؤولياتها تجاه جميع القاطنين على أراضيها كخدمات التعليم والطبابة وبسط الأمن والاستقرار السياسي ودعم الفئات الأقل دخلًا في المجتمع لتمكينها من ولوج دائرة النهوض الاقتصادي.
ويتمثل تعريف اقتصاد الوقف بعملية حبس الأصول والعين المراد تسخيرها لوجه الله تعالى وتكريس ريعها في أوجه الخير المختلفة التي تهم الصالح العام كدعم مجالات الخدمة المجتمعية المتعلقة باحتياجات الناس الأساسية، والنهوض بالمستوى الاقتصادي للأفراد فضلا عن صيانة دور العبادة والعناية بها، فمن خلال هذا التعريف الموجز يتبين لنا مدى أهمية وفاعلية أموال الوقف والحيز الاقتصادي المتعاظم الذي تشكله في أوساط المجتمعات، فضلًا عن المثل والقيم السامية التي تجسدها في نسيج العلاقات الإنسانية وتذكيها ترابطًا وتلاحمًا وألفةً بعيدًا عن المنغصات والرواسب الهدامة التي قد تتشكل في مناخ من الطبقية الراديكالية والشعور بالحرمان. ومما لا ريب فيه أن أعمال الوقف تساعد في تأسيس وخلق موارد مستدامة تعمل على دعم النشاط الاقتصادي والاجتماعي في إطار الدولة المدنية، وهي حاضنة لمشاريع التنمية المجتمعية الرافدة لمتطلبات الحياة الكريمة وناظمة لنسق الفضائل الروحية كالقناعة والرضا وبسط أواصر المحبة في النسيج المجتمعي، الأمر الذي يساهم في تعميق معاني الإخاء والمساواة وتضييق الهوة الطبقية، واستبدالها بروح التكافل والتعاون بين المانحين والمستحقين الضامن لحياة مدنية مستقرة وآمنة.
ومما تجدر الإشارة إليه أن طبيعة النفس البشرية ترنو إلى الفضائل والقيم السامية كالعطاء وحب الخير وتقديم المساعدة للمحتاجين، وتتفاعل مع الوقت بجملة من المتغيرات والعوامل في إطار البيئة المحيطة كعوامل التمدن الجغرافي والظروف الاقتصادية التي تلقي بظلالها على المنظومة الفكرية للعقل البشري ومفاهيم الاستحقاق والواجب الإنساني. ومن أبرز العوامل الفاعلة في صراع المنظومة الفكرية لدى المجتمع المدني واختلاف محدداتها وحاكمية نظمها ما يتعلق باختلاف المرجعية والحاضنة الفكرية التي تشكل التيار الثقافي والمعتقد الثابت لدى العنصر البشري، كما أنه من المهم استعراض الحقب الزمنية والأنظمة السياسية التي عرجت على المنطقة العربية، والقوى الفاعلة المشكلة للحراك الثقافي والاجتماعي التي نتجت عنه الأنساق والهياكل المنظمة للدولة المدنية في شكلها الاجتماعي، وتفاعلاتها الزمنية مع المعتقد المجتمعي السائد، الأمر الذي يفرز العديد من التشابكات والخيارات المطروحة للعقل العربي وتشكلاته المعرفية.
وعبر مسار الصيرورة الزمنية لتلكم التفاعلات الثقافية بتياراتها السياسية والدينية والاجتماعية، فقد تمخضت العديد من المفاهيم والمعتقدات لدى العقل العربي في إطار واقعه المعيشي وعلاقاته وتصوراته عن المخالطين له في فضاءات العلاقات الإنسانية، الذين يشاركونه كذلك طبيعة معترك الحياة وتحدياتها، فعندما نعرج على جغرافية المكان للإنسان العربي القديم ضمن نسق العشيرة وأعرافها، نجد البيئة الصحراوية إحدى أهم المكونات الطبيعية والحاضن الرئيس للتشكلات الفكرية والمعرفية في هيكل الاجتماع الإنساني ضمن صورته النمطية في ذلك الوقت. وهي كطبيعة قاسية أو كما يطلق عليها حاضرة البداوة وما تحمله من مناخ حار في الصيف وبرد قارص في الشتاء فضلا عن رحابة أراضيها المنبسطة، فإنها تصقل لدى قاطنيها فضائل الصبر والكرم والعطاء والاصطفاف حول الجماعة والعشيرة دفاعًا عن المهالك والأخطار المحدقة بالكينونة الطبيعية للمجتمع القبلي.
ومن هنا نستطيع القول: إن جميع هذه الخصال الحميدة كانت حاضرة لدى العقل العربي ومهيئة له لولوج الرسالة المحمدية السامية وما نصت عليه من تعاليم سمحة وهدي قويم ارتقت به البشرية منذ ذلك الوقت -بفضل الله تعالى- إلى شكل جديد من أشكال الاجتماع الإنساني. وبالعودة إلى موضوع الوقف وفوائده العظيمة نحو تنمية الاقتصاد، نلاحظ البيئة الخصبة لذلك وتقبل جميع مكونات المجتمع لهذا العمل الحميد، وتتبع آثارها الإيجابية على رفاه المجتمع والدولة ككل.
اهتمت السلطنة بدور الأوقاف في تنمية الاقتصاد المجتمعي وما يكتنزه من استدامة للموارد المالية الداعمة للعمل الخيري ومسارات النسق الخدمي للمجتمع المدني المحفز لفرص العمل والداعم لدخل الفرد، وهذا ما دأبت عليه وزارة الأوقاف والشؤون الدينية كعمل أصيل ودور ملموس في تنظيم أعمال الوقف وحصرها وإدارتها بمهنية عالية ساهمت في الحفاظ على معدلات نمو إنتاجية متوازية مع النشاط الاقتصادي بمختلف محافظات السلطنة. كما برزت العديد من الفرق الخيرية والمؤسسات الوقفية المنتشرة في عموم أنحاء السلطنة، والخاضعة لإشراف مباشر من الوزارة التي تقوم بدور ملموس في الاهتمام بأصول الوقف والعناية بها حفاظًا على تثميرها وخدمة المقاصد الشرعية. ومن أهم المؤسسات المنبثقة من جهود وزارة الأوقاف والشؤون الدينية على سبيل المثال لا الحصر، مؤسسة أمانة الوقفية ومؤسسة الإمام جابر بن زيد الوقفية كأغزر الهياكل المؤسسية تنظيمًا وإشهارًا عبر الإعلام التقليدي والإلكتروني، فضلا على التجهيزات المكانية والبشرية التي تم تخصيصها للتعامل مع المسؤوليات التي أسست من أجلها.
ظل نموذج اقتصاد الوقف عبر تاريخ الدولة الإسلامية الركيزة الأساسية لرفد المالية العامة وتلبية الخدمات والمهام المنوطة بها، كما أنها تعد من الأسس المتينة التي يقوم علييها الاقتصاد الإسلامي وما يعكسه من المعاني السامية للبذل والعطاء والمساواة بين الأفراد، الأمر الذي يذكي روح التآخي والتعاون ويدعم ترسيخ الأمن والاستقرار للمجتمعات والممكن لها من المساهمة في التنمية الاقتصادية ورفاه الدولة.
ومن خلال هذا النهج التنموي يتبادر إلى الأذهان التمعن في مقترح خلق أدوات مالية كالصكوك الوقفية تسهم عطاءاتها في مقاصد الخير ورفاه المجتمع والمشاركة في تمويل المشاريع الإنتاجية الموفرة لفرص العمل، كما تتعهد بإدارتها المؤسسات الوقفية ذات العلاقة بما يحفظ العوائد المتوخاة ويوظفها التوظيف الأمثل في أصول منتجة تعمل على تنميتها واستدامتها.