فيسبوك وفيكبوك وفيسبلوك

أ.د. حسني نصر –

في سابقة عالمية قامت شبكة فيسبوك الأسبوع الماضي بفرض حظر على مستخدميها في أستراليا، يمنعهم من الوصول إلى الأخبار والروابط الإخبارية ومشاركة الأخبار التي تنشرها وسائل الإعلام الوطنية، وهو الأمر الذي فاقم أزمة شركات التقنية الكبرى مع الحكومة الأسترالية، التي مررت عبر مجلس النواب مساء الأربعاء الماضي مشروع القانون الذي يلزم هذه الشركات بالتفاوض مع الصحف ووسائل الإعلام الوطنية ودفع تعويضات عادلة لها عن استخدام أخبارها وروابطها.

ورغم أن مشروع القانون ما زال ينتظر التمرير من جانب مجلس الشيوخ ليصبح قانونًا نافذًا، فإن شبكة فيسبوك سارعت في نفس يوم تمريره في مجلس النواب إلى فرض الحظر، الذي أثار عاصفة من الغضب داخل وخارج أستراليا، ووسع نطاق الضغط العالمي على الشبكة والشبكات الأخرى لإجبارها على تعويض وسائل الإعلام الوطنية، بعد أن قام رئيس وزراء أستراليا «سكوت موريسون» بالتواصل مع زعماء آخرين في العالم، كرئيس وزراء الهند، وقادة بريطانيا وكندا وفرنسا، ومناقشة الأمر معهم، وحثهم على اتخاذ خطوات قانونية مماثلة في مواجهة هذه الشركات العملاقة.
رد الفعل من جانب الصحف الأسترالية على خطوة فيسبوك كان واسعًا وعنيفًا، إذ ظللت صحيفة «وست أستراليان» صفحتها الأولى باللون الأسود، مع عنوان يقول: إن «هذا اليوم مظلم للأخبار الجيدة». واستخدمت صحيفة «كوريير ميل» علامة الإعجاب الخاصة بالفيسبوك بوضع مقلوب، للتعبير عن استهجانها لما قامت به الشبكة، أما صحيفة «ذي أستراليان» فقد وصفت شبكة فيسبوك بأنها أصبحت شبكة غير اجتماعية، وقالت في عنوانها الرئيسي على الصفحة الأولى: «لا إعجابات للشبكة غير الاجتماعية»، إشارة إلى شبكة فيسبوك ورئيسها مارك زوكربرج. وقالت صحيفة ديلي تلغراف في افتتاحيتها: إن ما فعلته فيسبوك أزال القناع عن وجهها، وإنها في سبيل أرباحها يمكن أن تعادي أمة بأكملها». ودعت صحيفة «مترو» قرائها إلى حذف تطبيق فيسبوك من جميع الأجهزة التي يستخدمونها. ولعل أطرف ما نشرته الصحف الأسترالية هو التلاعب باسم فيسبوك في عناوينها الرئيسية، إذ استخدمت صحيفة هيرالد صن اسم «فيكبوك» أي الكتاب الكاذب، وأطلقت صحيفة ديل تلغراف عليه اسم «فيسبلوك» تعبيرًا عن رفضها للحظر الذي فرضته الشبكة.
في ظل هذه الأزمة يبدو أن هناك بالفعل بارقة أمل وضوء في نهاية النفق المظلم لصناعة الصحافة سواء الورقية أو الإلكترونية، بعد أن نجحت أستراليا ومن قبلها فرنسا وبريطانيا في إجبار شركات التقنية الكبرى على مد يد العون إلى هذه الصحافة ومساعدتها على اجتياز أزمتها الوجودية. صحيح أن فيسبوك ما زال يقاوم في أستراليا، وما زال يرفض الرضوخ للقانون الجديد، وقام بحظر خدماته الإخبارية، ولكن من المؤكد أنه سوف يرضخ في نهاية المطاف، مثلما رضخت منذ أيام شركة جوجل وبدأت بالفعل في التفاوض مع وسائل الإعلام الأسترالية كلًا على حدة للوصول إلى اتفاقات شراكة تدفع بموجبها جزءًا من أرباحها لهذه الوسائل.
لن يتأثر فيسبوك أو جوجل كثيرًا إذا أنفق كل منهما جزءًا محدودًا من أرباحه العالمية لدعم وسائل الإعلام وتواجه أزمات مالية ضخمة في كل دول العالم تقريبًا. وتكفي هنا الإشارة إلى أن صافي أرباح شركة «ألفابت» في العام الماضي، وهي الشركة الأم لشركة جوجل، التي تمتلك أيضًا موقع الفيديو الأشهر في العالم «يوتيوب»، بلغت نحو 40 مليار دولار، من حجم مبيعاتها البالغ نحو 183 مليار دولار؛ فيما حقق موقع فيسبوك الذي يمتلك أيضًا تطبيق واتساب وشبكة انستغرام أرباحًا تصل إلى نحو 30 مليار دولار من مبيعات بلغت 86 مليار دولار.
الشاهد في هذه الأزمة أن الضغط على هذه الشركات التي تحقق أرباحًا طائلةً في كل دول العالم تقريبًا يمكن أن يشجع الدول العربية على خوض غمار هذه التجربة، وتكرار ما حدث من أستراليا، خاصة وأن السوق العربي الذي تعمل فيه هذه الشركات أضخم ربما بعشر المرات من السوق الأسترالي المحدود، والذي لا يتعدى 25 مليون نسمة منهم 17 مليونًا فقط يستخدمون فيسبوك شهريا، ومع ذلك فقد بلغت عائدات فيسبوك من هذا السوق الصغير في السنوات الثلاثة الماضية نحو 1.33 مليار دولار أمريكي، لم يدفع منها سوى 31.5 مليون دولار كضرائب.
من الضروري نستفيد مبكرًا من تدويل أزمة فيسبوك في أستراليا واستغلالها، خاصة وأن دولا أخرى تنتظر ما سوف تنتهي إليه لكي تحذو حذو أستراليا في جعل الشركات الرقمية العملاقة تدفع مقابل الصحافة، وهو ما حدث بالفعل مع شركة «جوجل» التي سبق أن هددت بالانسحاب من أستراليا، ولكنها اضطرت مؤخرًا إلى الدخول في مفاوضات مع كبرى شركات الإعلام الأسترالية لعقد صفقات ثنائية لترخيص المحتوى الذي يظهر منها في محركات البحث وتطبيقات جوجل الأخرى، وتوصلت أو كادت إلى اتفاقات مع أربعة من هذه الشركات من بينها «نيوز كوربريشن» و«هيئة الإذاعة الأسترالية المملوكة للدولة».
لقد فتحت أستراليا الباب أمام الدول الأخرى إما للعمل منفردة وإصدار قوانين وطنية تلزم فيسبوك وجوجل بتعويض وسائل الإعلام الوطنية، أو العمل وفق تحالف إقليمي لفرض اتفاقية موحدة أو شبه موحدة تتعامل من خلالها الدول مع عمالقة التكنولوجيا، بما يحفظ حقوق وسائل إعلامها الوطنية. وربما لا نبالغ إذا قلنا إن من الممكن تشكيل تحالف دولي -ربما عبر اليونسكو- لفرض نظام إعلامي رقمي جديد وعادل، يحفظ لهذه الشركات حريتها وحقوقها من جانب، ويحفظ للدول ووسائل الإعلام الوطنية حقها في الحصول على تعويضات عادلة عن محتواها الذي يتم تبادله على هذه الشبكات من جانب أخر. وللدلالة على هذا التوجه العالمي في مواجهة فيسبوك وشركات التقنية نشير إلى الدعوة التي أطلقتها منظمة وسائل الإعلام في كندا، التي تمثل غالبية وسائل الإعلام في البلاد، الحكومة الكندية إلى الاقتداء بأستراليا، وإصدار قانون مماثل يلزم تلك الشركات بالتفاوض على تعويضات مع وسائل الإعلام، مشيرة إلى أن «الاحتكار الثنائي لجوجل وفيسبوك لسوق الإعلانات الرقمية يمنع المنافسة، ويهدد حق المواطنين في الوصول إلى الأخبار الموثوقة.
إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو أين نحن في العالم العربي من كل هذه التطورات التي يشهدها سوق الإعلام الدولي؟ ومتى يمكن أن تتحرك حكوماتنا ووسائل إعلامنا للمطالبة بحقها من شركات التقنية الكبرى، خاصة مع الانخفاض الحاد في دخل كل وسائل الإعلام التقليدية والجديدة على حد سواء. نستطيع أن نتبع النموذج الأسترالي، وأن ننتهز الفرصة للوصول إلى اتفاقات مع هذه الشركات، خاصة وأن لدينا سوقًا إعلاميًا أكبر من السوق الأسترالي، ومن أسواق كندا وبريطانيا وفرنسا، يضم نحو 400 مليون نسمة يعيشون داخل الدول العربية، بالإضافة إلى ملايين آخرين يستخدمون اللغة العربية ويبحثون عن المضامين العربية سواء على جوجل أو فيسبوك أو غيرهما من محركات البحث والشبكات. لا يجب أن نتأخر كثيرًا في الانضمام للركب العالمي المطالب بتصحيح العلاقة بين هذه الشركات العملاقة وبين وسائل الإعلام الوطنية، وهو ما قد يمنح صحفنا ووسائل إعلامنا قبلة جديدة للحياة ويعيد لها موقعها الذي فقدته أو كادت في صراع غير متكافئ، وغير عادل مع المنصات الإعلامية الرقمية الجديدة.