شبهة الحداثة

عادل محمود

يكرّس تاريخ الأدب أشخاصًا بمزاعم الأبوة الشاملة التي يخرج من “معطفها” ـ كما يقول الروس ـ نظريات الأدب وأساليبه وأشكاله وتطويراته، كما يخرج الأدباء والشعراء أيضاً من أكمام هذا المعطف.
غالباً ما يجري غضّ النظر المدقق عن مهد ثقافي، وعوامل ثقافية وسياسية… وعن أشخاص في الظلال. وينصرف التاريخ إلى التكريس متعدد الاستعمالات .
السياب كان محافظاً في الشعر لفترة طويلة. وكلاسيكياً من النوع المتابع . لقد أنتج حوالي ثلاثمائة قصيدة أغلبها كلاسيك ومناسباتي واتباعي. ولكن، فجأة، تنشر له قصيدة ” أنشودة المطر” فيقوم الشعراء ولا يقعدون. وهي في الحقيقة قصيدة ، فقط ، خرجت عن بحور الخليل بالتشطير. ولكن أهمية القصيدة ـ في رأيي ـ هي في نصها الحار إنسانياَ. وفي جرأة الشاعر على استخدام لغة حديثة. وتأتي أهميتها أيضاً من وحدة النص ، بدلا من استقلال البيت ، ومن كونها مبكرة 1954 ثم صدورها في ديوان باسمها، لاحقاً، عن دار مجلة شعر… منبرالحداثة تلك الايام.
عندما كان السياب كلاسيكياً ومحافظاً ، كان يقول عن بعض شعراء الحداثة الذين ينشرون في مجلة “الآداب”: إنهم يجهلون أوزان الشعر. وكتب مرة: “وإذا شاعت كتابة الشعر دون التقيد بالوزن فلسوف تقرأ وتسمع مئات القصائد التي تجعل “رأس المال” و “الاقتصاد السياسي”، مادة شعر… وهو لعمري خطر جسيم”.
ولكن السياب… تقدم، بعد مرحلة علاقته مع الشيوعيين، تعرف إلى عالم مجلة شعر وناديها الثقافي، واقترب كثيراً من مشروعها الشعري… حتى بات يعتبر أن رسالة الشعر “جمالية” بالدرجة الأولى، وأن موضوعات الشعر يجب أن تكون أعمق من السطح السياسي والدعائي… وأصبح السياب ، مع أزماته المادية ومرضه ، ،شاعراً بحساسية مختلفة.
يجب، على ضوء ذلك، النظر إلى السياب ليس بوصفه شاعراً كسر البيت الخليلي، وحوّل مستطيلاته إلى مكعبات هندسية، باستخدام التفعيلة… وإنما لأنه أدخل في شعره لغة مختلفة. متأملاً مختلفاً… ولعله وقف عند آخر خطوط نموّه الشعري المحتمل بسب موته المبكر(37 سنة).
السياب في ذاكرة الحداثة يسمونه رائداً. والرائد عند العرب قائد وحيد، مستكشف لمجاهيل. والباقي منه هو الدور الذي قام به ـ دون أن يكلف نفسه في الحقيقة بدور من هذا النوع ـ في كسر جمود القصيدة التقليدية بنصّ ناجح. وربما كانت “أنشودة المطر” يتيمة إذا نظرنا إلى أخواتها… وهي اليوم تقرأ ، لا بسبب ثوريتها على التقليد ، إنما لأنها نص جميل وحديث ومؤثر وغنائي.